جحيم ميشلين: لصرخة فجّة، صادمة، صارمة، منعاً لتزويج القاصرات! (فيديو)

20 آذار 2018 | 21:18

المصدر: "النهار"

حملت ألعابها في حقيبة "جهاز العروس" ودخلت منزله خائفة. ظنّت أنّها ستلعب كما كانت تفعل في غرفتها، هناك في منزل والدها. لم تُكمل ميشلين الخامسة عشرة حين انتقلت من الطفولة إلى وضعية المرأة المتزوّجة. "في منزله أكملتُ الخمسطعش". رحلة عذاب بما تحمله الكلمة من معانٍ وبُعد. أقابلُ ميشلين في "النهار"، هي اليوم في الرابعة والعشرين من عمرها، أم لولدين لم ترهما منذ نحو السبعة أشهر، يوم غادرت منزل زوجها، جحيمها ولعنة قرار العائلة بتزويجها وهي قاصر لم تُكمل دراستها لتدرك أنّ الحياة ليست دائماً لعبة ضاحكة. 

تزوّجت ميشلين بعدما دبّرت لها العائلة عريساً لم تستلطف زياراته إلى منزلها. لم أتمالك نفسي- أنا التي أجدُني صلبة في مواقف عدّة- من البكاء وفقدان السيطرة على المشاعر، بينما كنتُ أستمع إلى قصّتها، فشاركتها الآلام والعذابات والدمعة. القصة بدأت من "تدبيرة"، وميشلين لا تزال في الرابعة عشرة والنصف من عمرها، فانتقلت إلى منزل آخر، حياة أخرى، تجربة تُثقل الأكتاف. "ما كنت طيق شكلو"، انطباعها الأول عن الرجل الذي أصبح في ما بعد زوجها وجلّادها. يكبرها بثماني سنوات، وحبسها في غرفتها سبع سنوات، مُستلذاً بعقابها. "ابكِ، البكاء قوّة"، قلتُ لها. أردتُ طمأنتها تجاه "فشة الخلق" الأخيرة، أي البكاء وشلالات الدموع. أخبرتني أنّ أخته أيضاً كانت تضربها. "نحنا ما بدنا ياكي هون"، صرخت بوجهها. مكثت ميشلين مع عائلة زوجها في منزل واحد، فالرجل لم يكن يملك شيئاً. جاعت. تألّمت. حُرمت الخروج من حبس الجدران الأربعة. وقبل بلوغ الخامسة عشرة، أصبحت امرأة حامل، في أحشائها جنين وحدها تعلم أيّ حياة تنتظره حين يولد.

أنجبت صبياً، خافت منه للوهلة الأولى. طريّ، بشرته رقيقة، لم تجرؤ على ضمّه إلى حضنها. أربعون يوماً وأمّها إلى جانبها تحاول مساعدتها على تقبُّل أنّها أصبحت أماً، "وليتها وقفت ضدّ قرار العائلة بتزويجي صغيرة. ليتها رفضت. ليتها قالت لأبي لا تفعل!". مرّ الوقت وميشلين في جحيمها، الجميع يُسيء معاملتها، إلا والدة زوجها التي لم تجد سبيلاً آخر لحمايتها ممن حولها سوى الإبقاء عليها سجينة غرفتها، وتمرير صحن الطعام لها، فتتناوله وابنها. "حين يشبع أتناول طعامي، ولو بقيت لقمة واحدة". تُخبرني بعينين باكيتين أنّها حزنت كثيراً لوفاة حماتها، وشعرت آنذاك بأنّها أصبحت وحيدة فعلاً، "لم يعد أحدٌ يحميني". ترفع الصوت وتُكمل: "حاولتُ إيقاظها وهي ميتة. ظننتها قد تعود إلى الحياة. ولم أستطع. بغيابها لم يبقَ لي أحد".

نزفت دماء من أنفها جرّاء ضرب زوجها، فلمح ابنها، وهو في سنّ الرابعة، قساوة المشهد. "سأصبح طبيباً من أجلكِ يا ماما. سأكبر وأدافع عنكِ". تتكلّم وتبكي وجميع مَن حولنا في "النهار" يشاركنا حرقة القلب. قصّة ميشلين تخترق كلّ ضمير، في الجريدة حيث نحن، وفي وجدان كلّ مَن وصله شيءٌ منها. كلّ الأوجاع في هذه المرأة- الطفلة- المُعذّبة. "حاول والد زوجي التحرّش بي. مراراً رفضت ولم أسمح له بالاقتراب". تهزّنا بهذا الاعتراف. بعد الصبي، أنجبت ميشلين طفلة، هي اليوم في سنّ الرابعة. لطالما رماها والد زوجها مع طفليها في الخارج، من دون أيّ رحمة. يا للهول، لماذا كلّ هذه القسوة في قلوب البشر؟ لماذا تُستبدل النبضات بأكوام من الحجارة الباردة؟ حاولتُ تمالك نفسي من أجلها، فأخفقتُ. طالبتُ وقفَ التصوير حين أخبرتني أنّها مراراً أطعمت ابنها الصعتر من دون زيت ملفوفاً بخبز يابس كغداء في المدرسة، "كُل بعيداً عن أصدقائكَ يا ماما"، وأطعمت طفلتها ملعقة حليب بزجاجة ممتلئة بالماء عساها تسدّ بعض جوعها. شعرتُ بظلم الدنيا مُختزلاً في امرأة. "أحياناً كنتُ أطعمه السكّر ملفوفاً بالخبز!". يعمل زوجها في مسلخ للدجاج ولطالما كان ينام من دون استحمام، ويُرغمها على العلاقة الجنسية ورائحته كريهة. "كان يغتصبني. لم أشعر تجاهه بأيّ حبّ. أنانيّ". سبع سنوات أمضتها في سجنه، لا تشعر بدفء الشمس ولا بعظمة الطبيعة، إلى أن أحضر ذات يوم رجلاً إلى المنزل قال أولاً أنّه قريبه. تكرّرت زياراته ليصبح شاهداً على ضرب الزوج وسوء المعاملة وآلام الزوجة، فتقرّب إنسانياً منها، متعاطفاً مع وضعها. وذات مساء، ادّعى الزوج أنّه يقيم عشاء في منزل شقيقته، ليفبرك ما لن تتوقّعه ميشلين: "قضية زنى"! اتّهمها لاحقاً بعلاقة مع الشاب، وكلّ ما في الأمر أنّه حاول مساعدتها، أو ربما، بتخيّلي، قد يكون هو مَن أرسله ليورّطها أمام المحكمة. لا أريد الدخول في حُكم النيات. الخلاصة أنّ ميشلين اليوم محرومة من رؤية طفليها منذ نحو السبعة أشهر، تاريخ مغادرتها منزله بعدما ضربها أبشع ضرب وحطّم زجاجة شراب على رأسها، ورماها خارج المنزل. تُخبرني أنّها حاولت مصارحة زوجة خالها، علّها تصل معه إلى لحظة تفاهم، وتُقنعه بتغيير سلوكه ورحمتها. ما إن غادرت المنزل حتى أبرحها ضرباً. "شو مفكرتيني مش رجّال؟". في تلك الليلة، ليلة العشاء المزعوم، حنّت قلوب الجيران على حالها فاستدعوا الدرك. تتألّم وهي تقول إنّ زوجها اعترف بضربها وتحطيم زجاجة على رأسها، ورغم ذلك، لم تُسجَّل اعترافاته في المحضر. كان يعلم بتحرّش والده بها ولم يتحرّك، وبجوعها وطفليها ولم يتحرّك، والآن انقلبت الأمور في المخفر وفق مصلحته. تؤكد ببراءة فتيات لم يعرفن المراهقة، أنّ رجلاً على هذه الأرض لا يعنيها، ولإثبات حُسن النيّة، أرسلت له التسجيلات الصوتية من صديقه، فإذا به يستعملها في المحكمة ضدّها. ميشلين تعيش اليوم مع صديقتها. "كيف أعود إلى منزل والدي الصغير الضيّق؟ لا أريد أن أكون عبئاً". والدها يعمل ناطوراً في شقة، مصابٌ بكهرباء في الرأس، لطالما سكتت وتحمّلت العذاب من أجله. "أخاف عليهم وأحدهم لم يخف عليّ". لم يعد شيءٌ يجمعها بزوجها سوى طفلين يحرق بُعدهما عنها قلبها وتجاويف روحها. تشاء العودة إلى المدرسة ومتابعة علمها، إلى جانب عملها ليلاً مربّية لطفل والداه طبيبان.

تعلم أنّ الربّ لن يتركها، تؤمن به وتُسكنه قلبها. تعلّق الصليب حول رقبتها، هي التي على أكتافها يقبع صليب ثقيل يرافقها على درب الجلجلة. تجد في منظّمة "كفى" خلاصها ودعمها والحضن الدافئ بعد قسوة الكون عليها. من خلال ميشلين، فلتكن الصرخة صادمةً فجّة، مُكشّفة عن أنيابها، منزوعة الأقنعة، حيال إقرار قانون حاسم وصارم يرفض تزويج القاصرات تحت طائلة المحاسبة والعقاب. ومهما كانت الذريعة، لا يجوز حرمان أم من رؤية طفليها طوال هذه الأشهر. صرخة ميشلين هي ضدّ الزواج المُبكر، ضدّ حرمان الفتاة من مدرستها، ضدّ التعنيف اللفظي والجسدي، ضدّ حرمان الزوجة كرامة العيش في منزلها، وضدّ إجراءات المحاكم الروحية والشرعية التي تطول وتمطّ قبل مَنح المرأة الطلاق وحقّ حضانة طفلها. سنظلّ نصرخ، كأفراد، كجمعيات يداً بيد مع "كفى" وغيرها، كإعلام من خلال مبادرة "النهار"، وكفنانين لنصل إلى قوانين عادلة تحترم الإنسان وتنقذ المظلوم من أفواه الذئاب وتكالب البشر. القانون المدنيّ للأحوال الشخصية هو خلاصنا.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard