حي يعقوب المنصور المُوَحِّدِي... الأستاذة تنادي تلميذتها من سهوها

8 آذار 2018 | 10:34

الأيادي المرفوعة (تعبيرية).

التحقتْ بحُجرةِ الدرس متأخرةً. تلميذةٌ أخرى شغلَتْ مقعدَها، ولدى مرورها أشارت معتذرة بالأستاذة. بسرعة قصدت طاولةً في أقصى الخلف وجلستْ. اختفت ضفيرتها بين الضفائر. الأستاذة أدَاسْكُو منشغلةٌ مع شخص غريب قربَ مكتبها، وحتما أحست بحضورها وتغافلت. مكانتُها خاصةٌ لديها وتعرفُ متاعبَها الصباحية. همسَت لها جارةُ الطاولة أنه ابتداءً من اليوم سيُلقي عليهم دروسَ الإنجليزية أستاذٌ متدرب لمدة شهر أو أكثر، لذلك أمرت الأستاذة بملأ فراغات المقاعد دون انتظار. وأمرت كذلك باحترام الوقت! وهل تستطيعُ ذلك وهي تخرج كلَّ يومٍ من البيت في غبش الشروق خائفةً تترقب؛ وتأتي من أقصى المدينة إلى ثانوية في مركزها، على خط النقل الوحيد اليتيم يومئذ..  

وهي تُخرجُ دفاترَها عاودتها مشاهدُ الحافلة. كانت تسند ظهرها لزجاج "نافذة الإغاثة" وتحضن محفظتها كالعادة. الحافلة بطيئة والناس في عَجَلة. وعند كل منعطف تكادُ تسقط لجنبها كبقرة تعَدُّ للذبح، لولا توازنُ السرعة. كانت تتصبر، مع أن إطار النافذة يضغطُ على ظهرها. لا ضير. ذلك أهونُ من أصابعَ تتلمسُ طريقا إلى جيب أو إلى عيب.. هذا الصباح انتزع منها الابتسامة راكبٌ كان من حين لآخر يرمي السائق بسخريته:

"- والشيفور.. كُونْ صْبْغْتُو الطوبيس بالأحمر وكتبتو "نقل اللحوم!!"

لم يضحك إلا قليلٌ من الركاب. الناس حديثو عهد باستيقاظ والأعين ذاهلة. تبسمت هي والتفتت لترى الساخرَ لا يضحك هو كذلك. كان يمارسُ سلطة الإضحاك فقط، ينتصر بقوة الدعابة. لا يخلُو مكانٌ من علاقةِ سلطة. أو ربما لأن السائق لن يبالي بسخريته. قل ما شئت واسخر كما شئت. ستتوقف الحافلة في كل لحظة، في محطات الوقوف أو في غير محطات الوقوف، لتحملَ مزيدا ومزيدا من الناس. أغمضتْ عينيها وتخيلتْ نفسَها في شاحنة اللحوم الحمراء وهي تطوف على الجزارين توزع اللحم..

- Miss Nezha..

اقتلعها نداءُ الأستاذة أداسكو من سهوها المعهودِ الذي لا يمنعها من الإجابة والتفاعل كيفما كان السؤال، كأنَّ لها رُبَّانًا آليا لا يعطله السهو..

شرع الأستاذ المتدرب يشرحُ ويطرح أسئلة يقرأها من جذاذة التحضير ويبدو عليه اضطراب كبير. التلميذات يشاركن بغير حماس كبير. بينما الأستاذة من حين لآخر تتداركُه بعبارة أو إشارة كي يستوي واقفا بعد كل ارتباك. في لحظة أخذته سكرةُ التعليم وصار يوزعُ الفقر والجهل بين أحياء المدينة وكان نصيبُ حي يعقوب المنصور وافرا حيث تعالت الأصوات مرددة على منواله جملةً واحدة:

 - People in Yakub almansoor live in poverty.. People in Yakub almansoor live in poverty .. People in Yakub almansoor live in poverty ..

كان الأستاذ يلقن اللازمةَ كلَّ تلميذةٍ على حِدَة، ريثما يستردُّ أنفاسَه. وكانت الجملة تدغدغ مشاعر تلميذات أحياء مركز المدينة والأحياءِ القريبة، وصِرْنَ يُردِّدْنها بحماس ساذج أو شامت.. شماتةً مُراهِقة بريئة ظالمة.. بينما نزهة كانت تعيد شريطَ اختيارها في آخر السنة الفارطة من بين المتفوقين في اللغة الثالثة على صعيد المدينة لتجتازَ اختبارَ التهيئة لأقسام الأدب الانجليزي الثانوية. نجحتْ بامتياز وكانت أيقونة الدفعة كلِّها ومرجعَ زميلاتها في اللغة الجديدة، منذ انتقلت لهذه الثانوية. ثم التقت عيناها بعيني أستاذتها. كانت مُحمرَّة الخدين. راسلتها الأستاذةُ ببسمةً وغمزةً دافئتين. وحين أكملَ الأستاذ درسَه المضطربَ في آخر ربع ساعة، ناولَ الكلمة للأستاذة أدَاسْكُو كي تبدي ملاحظة أو تضيف أو تعقب..

- Miss Nezha..

نادت الأستاذة تلميذتَها من سهوها الثاني، وأمرتها بالاقتراب. دخلت معها في حوار مُرتجل باللغة الانجليزية كأنهما ممثلتان على خشبة مسرح لُنْدُنِي. انبهر الأستاذُ المتدربُ واستبشر وتحسَّرَ في آن واحد. كيف لم يتفطن لوجود مثل هاته التحفة الرائعة. كيف لم يُشرِكَها في درسه، لتعطيَه نكهة أخرى، ولِتحْمِل عنه كثيرا من أعباء الشرح. التلميذُ المجتهد ترياقٌ لهُمومِ التدريس لا سِيَّمَا إذا كانت المعرفة لديه مسألة كرامة قبل أي تنقيط أو ترتيب.. لكن تأخرَها وجلوسَها في الطاولة الخلفية فوَّتَا عليه الفرصة، وباستحقاق ظهر برهانُه فعلا.. قرَّر أن يوظف قدراتِها ابتداءً من الحصة القادمة. لا بد أنها من حيٍّ رَاقٍ ومن أسرة تُسَافِرُ بها إلى عاصمة الضَّبَاب في كل عطلة كي تتحدث بكل تلك الطلاقة والأناقة..

انتهت الأستاذة من كلامها وقالت لتلميذتها، بقي سؤال أخير:

- Miss Nezha.. where do you live؟

- I live in Yakub almansoor.

شكرتها وأرتها بأناقةٍ مقعدَها، ولم يلبث أن رنَّ جرس الاستراحة. خرج الجميع ولم يخرج المتدرب. ظل معتكفا مُعتقلا في زنزانة الدرس. هل سيُسعفه لسانُه بعدَ الاستراحة أم أصابَه الشلل عن جميع اللغات.. وحتى عن الدارجة؟

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard