برلين ٦٨ - "سبعة أيام في عنتيبي" يغضب نتنياهو ويضحكنا بسذاجته!

20 شباط 2018 | 18:20

المصدر: "النهار"

“سبعة أيام في عنتيبي” المتسابق على “دبّ” برلين.

كان ممثلو الصحافة الإسرائيلية قد احتلوا، حتى قبل بدء العرض بنصف ساعة، مقاعد "الشخصيات المهمة جداً" في الصالة حيث عُرض أول من أمس "سبعة أيام في عنتيبي"، فيلم المخرج البرازيلي جوزيه باديّا المعروض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي (١٥ - ٢٥ الجاري). فالفيلم سبقه صيته بعدما قيل انه أغضب بنيامين نتنياهو الذي وعد برفع قضية ضده لأنه يمنح شقيقه الراحل يوني، دوراً ثانوياً جداً في استعادة رهائن إسرائيليين احتجزهم عدد من الثوار في العام ١٩٧٦، خلال ما عُرف بـ"عملية عنتيبي". هذا بالرغم من ان الاسطورة تقول انه كان أحد أبطال هذه العملية. فكانت الصحافة الإسرائيلية مستنفرة كما تفعل عادةً بكلّ الأفلام التي تتعلق بإسرائيل، وكان ردّ المخرج صريحاً عندما طلب منه صحافي ان يدافع عن نفسه: "الحقيقة لا تحتاج إلى دفاع، الأكاذيب بلى". ثم قال انه استند إلى شهود عيان شاركوا في العملية، "أما الذين لم يكونوا هناك يومها، فهذا يعني انهم لم يكونوا هناك!". 

في اليوم التالي للعرض، عرّف صحافي عن نفسه بأنه من موقع إلكتروني معني باللاجئين الأفارقة خلال لقاء مع المخرج وفريق العمل، فخرج بنظرية ان "الفلسطينيين لم يفهموا مشكلة الإسرائيليين، وهي انهم جاؤوا من المحرقة وهم يبحثون عن بيت يؤويهم". صحافية أخرى أدلت بما لديها، فقالت انها لا تصدق ان المخرج اختار ممثلين بهذا الجمال (في إشارة إلى دانيال برول) لدور الإرهابيين، باعتبار ان على جميع الإرهابيين ان يشبهوا أحمد الأسير، فاضطر باديّا ان يتحدث في البديهيات قائلاً ان الأمر يتعلق بتمثيل يقنعك بحقيقة ما، فـ"الممثل ادي مارشن مثلاً ليس حتى يهودياً، لكنه يشبه شمعون بيريز جداً”.

جوزيه باديّا هو المخرج الذي سبق ان فاز في العام ٢٠٠٨ بـ"الدبّ الذهب" عن فيلمه "الفرقة النخبة" من يد المخرج اليوناني كوستا غافراس. اتُّهِم الفيلم وقتذاك بفرط استخدام العنف وبالفاشية البوليسية. مَن ير "سبعة أيام في عنتيبي" يدرك لماذا تم اختياره لإخراجه (إنتاج أميركي بريطاني)، فهو لا تربطه بالموضوع أي صلة. تلقى باديّا السيناريو جاهزاً (تأليف غريغوري بركي)، ثم ذهب إلى إسرائيل للتأكد من صحة المعلومات التي فيه، وهناك التقى إيهود باراك الذي كان صديقاً مقرباً من يوني نتنياهو. يجب التذكير بأن هذه ليست المرة الأولى تنكبّ فيها السينما على هذه العملية، فهناك على الأقل فيلمان عنها.

دانيال برول وروزمند بايك، إرهابيان من ألمانيا.

في حزيران من العام ١٩٧٦، اختطفت طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة من تلّ أبيب إلى باريس على متنها إسرائيليون وفرنسيون. بعد التحليق في الأجواء لفترة، هبطتالطائرة في مطار عنتيبي (أوغندا)، حيث تم ترحيل الفرنسيين إلى بلادهم واحتجاز الإسرائيليين بغية استخدامهم كورقة للتفاوض مع السلطات الإسرائيلية واستبدالهم بنحو ٤٠ أسيراً. الخاطفون هم مجموعة من الثوّار، ألمان من اليسار الراديكالي، وعرب يأتمرون بـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". باقي الأحداث معروف: لم تقبل إسرائيل بالتفاوض مع مَن تعتبرهم إرهابيين وأرسلت قوات خاصة (كوماندوس) لجلب مواطنيها.  

من معطيات حقيقية حدثت فعلاً، يستقي باديّا فيلماً، شخصياته مرسومة لغرض محض سينمائي. يمنح النصّ نفسه هامشاً من الحرية، فيحاول بشكل خجول جداً مناقشة قضية مهمة: أين ينتهي النضال المسلح من أجل قضية وأين يبدأ الإرهاب؟ أو كيف نمنع أنفسنا من التحول إلى الشيء الذي نحاربه؟ الا انه يبدي اهتماماً محدوداً جداً بالإرهابيين، لا بل يصورهم كمغفلين طوباويين. هناك مشهدان لافتان في هذا السياق، الأول عندما يحاول معاون قبطان الطائرة اصلاح ماسورة الصرف الصحي، فيتم تأطير "الثائر" الألماني من خلف المياه المبتذلة التي تنزل من الصرف. أما الثاني فيرينا "الثائرة" الألمانية وهي تتكلم على الهاتف العمومي في المطار، قبل ان نعلم انه لا يوجد أحد من الجانب الآخر للسمّاعة.

يتحوّل الفيلم إلى كوميديا هزلية مع اطلالة الطاغية عيدي أمين دادا. فالحاج شخصية كاريكاتورية بالفطرة. مناصرته للفلسطينيين بعد انقلابه على إسرائيل لأسباب سياسية تُستخدَم كشماتة. ولا تنقذ الموقف العام عبارات تأتي على لسان "الثوّار"،من مثل ان بغداد أسوأ مكان للمرأة وان العرب اشتراكيون. الصالة كلها غرقت في الضحك وهي تسمع العبارة الأخيرة!

لعل أكثر الأشياء استفزازاً ربط قضية احتجاز الرهائن الإسرائيليين بالذنب الألماني والتلميح بالنازية واستحضار أمورلا مكان لها في هذا السياق. فالألماني يتردد في تصفية الرهائن لأنه محصّن أخلاقياً ولأنه يرد على قضية سياسية، فيما العربي يقارب المسألة بعقلية انتقامية (طفل بطفل). ثم ان الدوافع تختلف بين الألماني والعربي، وهما في كل حال ليسا متساويين في نظر المخرج، اذ يمنح الأفضلية للألماني، كونه صاحب ضمير. قضية معقّدة كهذه تتحول إلى تجاذب بين مَن يقتل من أجل قناعته ومَن لا يفعل ذلك.

… وما معنى المقدّمة والخاتمة الغنائية الراقصة المقحمة في الأحداث؟ وهي رقصة عيد الفصح اليهودي حيث نرى الراقصين يتخلصون من ردائهم الأرثوذكسي؟ فمنتجتها مع العملية العسكرية تمدّها بطابع ديني مفتعل. أما النقاشات التي لا تنتهي بين شمعون بيريز وإسحق رابين (الأول مع العملية والثاني مع التفاوض)، مع ممثلين ممكيجين يضعون البوستيش على رؤوسهم، فلا تنتهي وتصبح شيئاً مملاً ومكرراً. كما اننا لا نفهم لمَ الجميع يتحدث في لغته باستثناء الإسرائيليين يتحدثون بالانكليزية. أما رابين فهو بطل الفيلم غير المعلن، وخصوصاً انه كان يحب المفاوضات بدلاً من استعمال العنف، وقد قُتل بسببها. 

“سبعة أيام في عنتيبي" يغرق سريعاً في مراهقة سياسية، في نوع من برج بابل لغات وجنسيات وأهواء سياسية. أضف إلى هذا، عرض عضلات تقنية في الشق الأخير. الأسوأ ان باديّا يربط العملية بشؤون حالية، فيذكر دونالد ترامب في أحاديثه ويقارن بين الوضع القائم آنذاك والوضع الذي نشأ في عهد الرئيس الأميركي الذي يبدو انه بات شمّاعة يعلّق عليها أيٌّ كان أيَّ شيء.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard