ما المدى الذي سيبلغه تأزّم العلاقات التركيّة الهولّنديّة؟

19 شباط 2018 | 19:10

المصدر: "النهار"

مشكلة جديدة تضاف إلى سلسلة التوترات التي تشهدها تركيا مع جيرانها الأوروبّيّين في مرحلة تحاول خلالها أنقرة رسم نفوذها الإقليميّ إضافة إلى تحديد موقعها بالنسبة إلى القارّة العجوز. ما زالت تركيا تسعى جاهدة كي تصبح عضواً في الاتّحاد الأوروبّي بالرغم من أنّ الرئيس الفرنسيّ أعلن في بداية كانون الثاني الماضي أنّ المهمّة باتت شبه مستحيلة وأنّ الحديث عن إمكانيّة انضمام تركيا إلى الاتحاد هو "نفاق". كلام إيمانويل #ماكرون الذي جاء أمام نظيره التركيّ رجب طيّب #أردوغان الذي سافر إلى باريس، حمل مقترحاً بديلاً يقضي بإقامة "شراكة" بين بروكسيل وأنقرة. لكنّ هذا المقترح لم يرضِ الرئيس التركيّ الذي أوضح ذلك من خلال مقابلة مع صحيفة "لا ستامبا" الإيطاليّة قبل ساعات على لقائه البابا فرنسيس في الفاتيكان.

وفي حين تستمرّ الأضواء الأوروبّيّة مسلّطة على الوضع الداخلي التركيّ خصوصاً لناحية حقوق الإنسان بعد الانقلاب الفاشل في تمّوز 2016، تبدو المشاكل الخارجيّة للدولة نفسها أكثر تشعّباً حتى من تلك الداخليّة. فعلاقة #تركيا مع #هولندا مثلاً تأخذ منحى أكثر تدهوراً مع مرور الأيّام وازدياد المواضيع الخلافيّة بينهما. واللافت في هذه العلاقة الثنائيّة أنّها تسير على عكس العلاقة التي تجمع الألمان بالأتراك الذين فتحوا في الساعات الماضية كوّة، ولو صغيرة، في جدار الخلاف بعدما أطلقت #أنقرة سراح الصحافيّ الألمانيّ التركيّ الأصل دنيس يوسيل. لكن يبدو أنّ بوادر الحلّ مع تركيا في دولة أوروبية تتزامن حكماً مع بوادر تأزّم في أخرى.

تطوّران في أسبوعين

منذ يومين، استدعت تركيا القائم بالأعمال الهولّنديّ لديها لإبلاغه استياءها من مشروعين لقانونين يرتبط أحدهما بالاعتراف بمقتل 1.5 مليون أرمينيّ على أنّه إبادة جماعيّة فيما يدعو الآخر إلى حضور مسؤول هولنديّ ذكرى الإبادة الجماعيّة للأرمن في 24 نيسان المقبل. وأعلنت الأحزاب الهولندية الكبيرة عن تأييدها للمقترحين اللذين تقدّم بهما حزب الاتّحاد المسيحيّ المحافظ. لكنّ الاعتراف بالإبادة الأرمنيّة ليس العلامة الوحيدة على تدهور العلاقات، فتركيا استدعت القائم بالأعمال الهولنديّ لأن لا سفير للبلاد لديها. ففي الخامس من شباط الحاليّ، سحبت هولندا رسميّاً سفيرها من البلاد بعدما امتنعت أنقرة عن استقباله طوال أشهر. إنّ سحب #هولندا لسفيرها ترافق ايضاً مع إعلانها عدم قبول سفير تركيّ في بلادها. وظهرت الخلافات العميقة بين الطرفين منذ آذار في العام الماضي، بعدما رفضت هولّندا تنظيم حزب العدالة والتنمية لتجمع سياسيّ على أراضيها استعداداً للاستفتاء الذي أجرته تركيا في نيسان حول توسيع صلاحيّات الرئاسة التركيّة.

كيف انفجر الخلاف؟

كانت العلاقة الثنائيّة قد تدهورت سريعاً في آذار الماضي، بعدما منع الهولّنديّون طائرة وزير الخارجيّة مولود جاويش #أوغلو من الهبوط على مطارهم. وما زاد الأمور تعقيداً، تزامن الحملة السياسيّة للأتراك مع الانتخابات التشريعيّة للهولّنديّين. من جهة ثانية، كانت وزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعيّة فاطمة بتول سايان كايا في جولة سياسيّة وحزبيّة داخل ألمانيا، فتوجّهت برّاً إلى قنصليّة بلادها في روتردام الأمر الذي أغضب السلطات الهولّنديّة. فما كان من الأخيرة إلّا أن أعلنت كايا "شخصاً غير مرغوب به" فأعيدت الوزيرة إلى ألمانيا. وأرجع رئيس الوزراء الهولّنديّ مارك روته هذه الإجراءات إلى "المخاوف الأمنيّة"، فيما ردّ أردوغان على هذه الأحداث واصفاً سياسات الدولة ب "الفاشيّة". وذكّرت حينها وكالة "د.ب.أ" الألمانيّة بالمادّة 94 من قانون الانتخابات التركيّ التي تحظّر إقامة جولات انتخابيّة خارج الأراضي التركيّة. منذ ذلك الحين، منعت #تركيا السفير الهولّنديّ الذي كان خارج البلاد من العودة إليها فيما تصاعدت حدّة الخطابات التركيّة ضدّ هولندا. وبعد نجاح أردوغان في كسب تأييد المواطنين الأكراد لتوسيع صلاحيّاته، رفضت لاهاي تهنئته على نتائج الاستفتاء.

صعوبة في قراءة توجّهات أردوغان

ومع إعلان هولندا عن إجراءاتها في الخامس من شباط، قد تبدو الأمور متّجهة إلى مزيد من التأزّم خصوصاً إذا تمّ إقران هذه الإجراءات بملفّ الإبادة الأرمنيّة الذي يشكّل موضوعاً حسّاساً بالنسبة إلى الأتراك. لكنّ مؤشّرات إيجابيّة طفيفة ما زالت تصدر من تركيا. فبحسب صحيفة "حرييت"، توقّعت نقابة مالكي الفنادق التركيّة في 16 شباط زيادة في نسبة السيّاح الهولنديّين ب 20% عمّا كان عليه الوضع في السنة الماضية. وتحتلّ تركيا سادس وجهة خارجيّة مفضّلة لدى الهولّنديّيين التي تضمّ بلادهم حوالي نصف مليون مواطن من أصول تركيّة. وتكتب أمبرين زمان في موقع "ألمونيتور" أنّ هولندا هي المستثمر الأجنبيّ الأكبر في تركيا حيث تشكّل استثماراتها 16% من مجمل الاستثمارات الأجنبيّة في البلاد. وتنقل عن الباحثة الهولّنديّة في الشؤون التركيّة فروكييه سانتينغ قولها إنّ مجتمعاً تركيّاً وكرديّاً بالغ الاستقطاب في هولندا يصعّب على السلطات أن توازن العلاقات الرسميّة مع الحكومة التركيّة: "تجد السلطات الهولّنديّة صعوبة في قراءة (توجّهات) أردوغان الذي ينتقل من الدعوة ل (بناء) الصداقة إلى تصنيفها بالنازيّة".

بالفعل، في كانون الأوّل الماضي، كان الرئيس التركيّ قد وصف حكومات كلّ من هولندا وبلجيكا وألمانيا ب "الصديقة القديمة"، في وقت أعرب عن صدور مؤشّرات "مرضية" من رئيس الوزراء الهولّنديّ حول تصحيح العلاقات الثنائيّة. حتى مع سحب هولندا سفيرها من تركيا، لم يذهب المراقبون باتّجاه توقّعات متشائمة. مراقب الشؤون الهولّنديّة مارك كرانِنبيرغ قال لموقع "غلوب بوست" التركيّ إنّه "من المهمّ جدّاً ألّا تقطع هولندا الروابط الديبلوماسيّة مع تركيا بل (هي عمدت الى الاكتفاء) فقط بسحب سفيرها الذي مُنع من دخول تركيا أساساً". وأشار إلى أهمّيّة الردّ التركيّ "الهادئ" بعدما أعلن نائب رئيس الحكومة التركيّة أنّ القرار الهولّندي لا يعني قطع العلاقات الديبلوماسيّة بين البلدين. لكن هل ستتعامل أنقرة مع ملف الإبادة الأرمنيّة بنفس "الهدوء" الذي تعاملت من خلاله مع الملفّ الديبلوماسيّ؟ قد لا يتأخّر الجواب بالظهور كثيراً.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard