احتراق عيد الحب... اسمي مهى لكن ليس لديّ وقت

16 شباط 2018 | 18:44

المصدر: "النهار"

احتراق.

حكيم يشخُر بقوة، وعِند وِسادتِه جَاكْ بْغِيلْ يُغني على طول قيلولتِه ولا يُلطِّفُ صوتَه إلا خفوتُ المذياع. مأمونٌ غارقٌ في طقسِ تذكره اليومي. مستلقياً على سريره، كان يُمسك باحتراز شديد صورةَ بُورَانْ من حافتيها، يُجنِّبُها آثارَ البصمات ويتحاشى شرَّ الحوافِّ الجارحة. صُورٌ أخرى ورسائلُ تُطلُ من حقيبةٍ عتيقة. تأملَ الصورةَ متكئاً على جنبه فأزعجَه ارتعاشُها في يده، أو ارتعاشُ يده تحتها. ظنَّ الأمرَ نقصَ طاقة، فمد يده إلى كيسٍ صغير، فيه تمر وتين مجفف أرسلته أمه مُؤنةً لِفَاقات العُطل القصيرة التي تضطره للمُكوثِ في الحي الجامعي. كان يتأمل ما تبقى من بوران، والرعشةُ كما هي لم تبرح. 

ردد اسمها مثل وِرْدٍ رتَّبَه على نفسه من دونِ شيخ. لا مددَ هناك إلا الأهوال وتقلب الأحوال ولا مقامَ للحب. بُوران. إن صحَّتْ روايتها له في بدايات الحُبّ وهوسِ الحَكْي كانت قد ولدت في تركيا. كان أبوها موظفا في قنصلية حين رُزِقَهَا. سماها باسم زوجة المأمون العباسي الأسطورية. ولأن اسمَها صادف اسمَه وخلطةَ حُبٍّ حالمٍ قريبِ عهدٍ بالطفولة فقد كان مأمون يعِدُها بعُرس بوران، الذي وزع فيه المأمون العباسي الحلوى على ضيوفه ملفوفةً في صكوك مِلكِيَّةِ الإقطاعات والهِبات. 

انسلت الصورة من بين أصابعه ورَسَتْ على حافة السرير. لم تكن في حجمها الطبيعي. كان قد قصها بمقص ليحصِر وجهَ حبيبته من دون الوجوه الزائدة بجانبها. كأنه حد حدودَ مدينة وجهها الأفلاطونية الفاضلة. شفتاها كانتا تنفخان على شمعة عيد ميلاد، وعيناهَا مغمضتين كإغماضة موت. كان يحدق فيها كأنه سيحييها أو يسترد فردوسها المفقود..

قَطب جبينه وعبَس. كلا ليست فاضلة ولا أفلاطونية.. إنها استسلمت لأول الغزاة وتركته شريداً لاجئا دونَ وطنِ حُب. حتى المدنُ الفاضلة تنقلب. وكم من فردوس أرضي ساء مُستقراً ومقاماً. الغبي. تذكر حين أعانها في نقل أمتعتها إلى الحي الجامعي. كان يزفها بنفسه لغزاة لهم دراية بثغور الأنثى. ولهم حنكة اكتسبوها هم كذلك من فقدان مدنهم الفاضلة أولَ ما حطُّوا أقدامَهم في الجامعات المانعة. لكل شيء دورةُ حياة وموت، حبُّ الجامعات يقتات على حب الثانويات كحوتٍ كبير على خشاشِ البحر..

لم تهدأ رعشته فكَرهَ نفسه كالعادة. انتفض وضمَّ الصورة إلى باقي الصور ورمى الحقيبة تحت السرير؛ قبل أن يفيقَ حكيم رفيقُ غرفته فيُسمعَه أغنية جاكْ بْغِيل "ميناء أمستردام" ثم يوبخَه ويقرِّعَه ككل مرة حتى يكرهَ ولادته. وهل يجدي التوبيخ..

إنه يكرهُ طقسَ الصور السخيف كلما فرَغ منه فكيف التخلص من احتلاله؟ كيف التَّخَفُّفُ من جثة حُبٍّ يأبى دفنَها.

لطالما سخرت منه حين كان يصفها أنها قصيدةُ شعر فتجيبُه أنها على العكس: معادلةٌ رياضية. الغبي الأدبي حتى النخاع لم يكن يعي جابريتها الحَيَّانية، وأنه أحد مجاهيلِ معادلة من درجة ثالثة أو رابعة. وكانت تسخرُ منه حين يعِدُها أنه لن يكمل الجامعة لأجل عينيها وسيلتحق فوراً بمركز تكوين المعلمين أو الأساتذة ليتخرجَ في عامين أو ثلاثةٍ وتصيرَ له باءَةٌ ويخطبَها ويتزوجَها ويعيشا بين جدران قصة من قصص عطية الأبراشي أو جرجي زيدان. بينما كانت تمتعض وتعبس متوجسة متشائمةً من تهوره. إنها تستأنس به مثل كائنٍ لطيف يحسنُ الأحدوثات. وتقول له: "أستاذ؟!! هذا ما تستحق بوران من المأمون؟" وتضحك ضحكة قاسية. لو كان يفقه. 

حمل مصحفَه الصغير وقصد حديقةً قرب الحي الجامعي. جلس على أريكة حجرية تحت أشجار الجميز وفتح عرَضًا وقرأ دون تركيز: "كهيعص.." بعد آيات رفع رأسَه فصعقه حضور بوران. أوَّه! لقد تركها للتو مُحنطةً في صُوَرها وأتى هنا ليَرقِي نفسَه منها فإذا به يُحَضِّرُها. كيف أتت ومن أين؟ قام في اتجاهها مرتعشاً مرتبكاً كعصفور بلله المطر. دنا حتى كان قابَ قلبٍ خافق. أحست بحضوره. التفتت فانتفى توهُّمُه كالسراب وعادت لأجنبيتها. ما قادَكَ شيءٌ مثلُ الوهم. كأن كل الإناث هيَ مِن بعيد. لا بأس. أخفى مُصحفَه في جيبه وقرر أن يتجاذب أطراف الحديث مع الغريبة كيلا يبدوَ بمظهرٍ مُريب. عاجلته:

- اسمي مهى لكن ليس لدي وقت.

لم يمنع ذلك من أن يسترسل الحديثُ، بينما مهى تختم كلَّ جملة طويلة عريضة بقولها "لكن ليس لدي وقت.." والوقت يمضي غيرَ محسوب. لم تعِده بلقاءٍ آخر ولم تُخفِ نيتها الحضورَ هنا دائما. ولا هو أخفى نيته أن يلقاها هنا عمدًا غيرَ مقصود. فضربَا موعدا لصدفة أخرى قد تكونُ أطول، ولا يُنغصها حرجُ الجِدَّة والسراب. عاد إلى غرفته كأنه انفك من قيد. الأمرُ بهذه السهولة واليسر يا أحمق. ليته لم يعتكف كل هذه الأسابيع ولم ينسج حول نفسه شرنقةَ الأسى والأسف. ليته خرج من أولِ يومِ فِراق مع بوران..

حكيم كان قد غادرَ الغرفة وخلَّفَ رائحةَ عطره ممزوجة بدخان السجائر في منفضة زجاجية فوق المائدة. أحس مأمون بفرح غامر عارم. الأمر سهل. الأمر هين. شحنة كَهْرَحُبِّيَّة تلغيها شحنة كهرحبية أخرى وهكذا. لقد أعادتْ مهى دارةَ الضوء إليه فلا حاجة لصور بوران بعد اليوم، ولا لِطيفها. أخرج الصور بسرعة وبحزم وتناولها دون تردد وقبل أن تتوسل أو تتضرع إليه. الصورُ الجميلة لها تضرُّع. بحث عن ولاعة صديقه كالموتور. لم يجدها. تناول عود ثقاب من علبة فيها صورة أسد. كم تناسبُ صورة الأسد الآنَ حالتَه. تقدم للمِنفضة الزجاجية. أوقد ناراً صغيرة ومكث يُحرق، يُحرق، يُحرق حتى كبر اللهيب وسمع رنين انكسار. انفلق زجاج منفضة صديقه، لكن صديقه إن علم السبب سيُهدر لا محالة دمَ منفضته. التفت للحقيبة. صارت فارغةً كتابوتٍ خلا من بقايا سَبْيٍ بعيد..

عادَ إلى موعده مع مهى. ثم عاد. ثم عاد. وما عادت. اختفت. كأن لم تكن. سأل عنها في كل مرافقِ الجامعة ومدرجاتها. في كل زواياها وزوايا الحي الجامعي. حتى أشجار الجَمِيز استخبرَها. ولا خبر. لا مَهَى هناك ولا ريمٌ ولا أسرابُ القطا.. غابت إلى الأبد وفي سِجِلِّها رمادُ صُوَرٍ وعِتقُ رقبة...

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard