الاصطدام الإيرانيّ الإسرائيليّ... لماذا الآن؟

11 شباط 2018 | 15:30

المصدر: "النهار"

الصراع (أب).

شهد يوم أمس السبت اصطداماً عسكريّاً مباشراً بين إسرائيل من جهة و #طهران و #دمشق من جهة أخرى حيث خسرت إيران طائرة من دون طيّار وتعرّض بعض مراكزها للقصف، بينما خسرت إسرائيل مقاتلة من طراز أف-16. وتعدّدت مقاربات الاصطدام الأوّل بين الطرفين منذ بداية النزاع السوري على الأقل والذي وُصف بأنّه محطة تحول كبيرة في المنطقة، خصوصاً أن إسرائيل قصفت عشرات المرّات مراكز عسكريّة أو شحنات أسلحة إيرانية أو سورية بدون حدوث تداعيات. ولأنّ طهران ودمشق كانتا تمتنعان عن الردّ في الغالبية الساحقة من هذه الأوقات، يطرح حدث الأمس العديد من علامات الاستفهام عن أسباب هذا التحوّل وقواعد الاشتباك الجديدة في المرحلة المقبلة.

في الثالث من كانون الأوّل الماضي، علّقت صحيفة "هآرتس" على غارة إسرائيليّة استهدفت قبل يوم واحد، موقعاً عسكريّاً إيرانيّاً في منطقة الكسوة الواقعة على بعد 15 كيلومتراً جنوب غرب دمشق. وأشار الكاتب في الصحيفة زفي بارئيل إلى أنّ صمت #إيران عمّا جرى بالغ الدلالات إذ إنّ "غياب ردّ إيرانيّ رسميّ إلى الآن، حتى ردّ يوضح التزامها بحماية #سوريا، يمكن أن يبرهن واقع أنّه لغاية هذه اللحظة، لا تريد طهران للهجوم أن يتحوّل اختباراً استراتيجيّاً قد يؤدّي إلى صدام مباشر مع إسرائيل". وأضاف إلى تحليله إمكانيّة افتراض أنّ طهران "ستفضّل (الحفاظ) على موقعها الاستراتيجيّ الجديد ولا تضعه تحت خطر الاصطدام المباشر مع إسرائيل، طالما بإمكانها إظهار أنّ الهجمات في سوريا لا تؤذي القوّات أو المنشآت الإيرانيّة". لم يكن أمس السبت اليوم الأوّل الذي تستخدم فيه دمشق دفاعاتها الجوّيّة ضدّ الطائرات الإسرائيليّة التي قصفت مواقع داخل سوريا. لكنّ حدث إصابة مقاتلة "أف-16" وإسقاطها قد يفتتح مرحلة جديدة في العلاقات المتوتّرة بين الطرفين، أو قد يكون هو نفسه ناتجاً عن عصر جديد في مراحل النزاع المختلفة التي لا تزال تمرّ بها البلاد.

تبدّل الأهداف

إذا تمّ إسناد حدث الأمس إلى تحليل "هآرتس"، تبدو إيران اليوم في موقع المستعدّ لتحويل الهجمات الإسرائيليّة "إلى اختبار استراتيجيّ" ضدّ تل أبيب. ولا شكّ في أنّ سنة 2018 ستشجّع مثل هذا التحدّي نظراً إلى المشهد الميدانيّ السوريّ الجديد، وذلك بغضّ النظر عن وجود ضوابط لهذا الاختبار من عدمه. يشرح أدام تايلور في صحيفة "ذا واشنطن بوست" الأميركيّة أنّ الامتناع السابق عن الردّ يعود بشكل كبير إلى عدم رغبة طهران بفتح أكثر من جبهة خلال الفترة الماضية والتي كان فيها النزاع قد وصل "أصلاً إلى مرحلة فوضويّة". إنّ عودة سريعة بالزمن إلى سنة 2015، أي إلى الوقت الذي تدخّلت فيه موسكو بقوّتها العسكريّة في سوريا، تبرز أنّ الهدف الأساسيّ حينها كان حماية نظام دمشق من السقوط، قبل الالتفات إلى أي عنوان آخر. وبذلك، جاء الامتناع عن الردّ في إطار تلافي تشتيت جهود المعركة عبر الانزلاق إلى فتح جبهة جديدة غير ضروريّة مع الإسرائيليّين طالما أنّ ضربات هؤلاء داخل سوريا غير كاسرة لموازين القوى الأساسيّة كما يراها الإيرانيّون.

أمّا اليوم، وبعدما بات النظام في مأمن من السقوط، فقد تصاعدت احتمالات فتح جبهة إسرائيليّة-سوريّة حتى ولو بقي هذا السيناريو غير حتميّ. لكنّ تنامي هذا التوتّر لا يرتبط فقط بحصانة دمشق إزاء السقوط بفعل عمل عسكريّ للمعارضة، بل له صلة وثيقة أيضاً بعامل آخر استجدّ على الساحة السوريّة خلال الأشهر المنصرمة. يشير عدد من المتابعين، ومن بينهم تايلور، إلى أنّ هزيمة داعش ترفع تلقائيّاً من نسب المواجهة بين الطرفين، أو بتعبير أدقّ بين عدّة أطراف. ومن جهته، يرى توماس سيبرت في صحيفة العرب اللندنيّة الصادرة باللغة الإنكليزيّة أنّ سوريا "تدخل مرحلة جديدة لما بعد داعش مع ضربات إسرائيليّة وأميركيّة شاملة". إنّ الإشارة إلى واقع انهيار داعش كمولّد طبيعيّ لمزيد من الصدامات الإقليميّة، بات محطّ تركيز لدى المراقبين نظراً لكمّ التداعيات التي يمكن أن يطلقها الواقع الجديد.

علاقة جدليّة

إنّ تقهقر داعش الذي تسارعت وتيرته في الأشهر القليلة الماضية شكّل بؤرة جذب لمزيد من التدهور الإقليميّ في سوريا. الضربة الجوّيّة الأخيرة التي شنّها التحالف ضدّ قوّات موالية لدمشق عبرت الفرات باتّجاه الشرق يوم الأربعاء الماضي، هي خير تعبير عن مسارعة الأطراف الفاعلة إلى رسم نفوذها الجديد في مرحلة ما بعد داعش. من هنا، قد تكون سيناريوهات الاصطدام مرجّحة كثيراً في المرحلة التي تلي انحسار الأراضي التي سيطر عليها سابقاً التنظيم الإرهابي، حتى ولو لم يكن هنالك من نيّة تصعيديّة لدى مختلف الأطراف. بهذا المعنى، يصبح الكلام عن إعادة إعمار سوريا بعد هزيمة داعش وقبل الاتفاق الدوليّ والإقليميّ على ترسيم واضح للنفوذ، سابقاً لأوانه. ولأنّ إيران تستفيد ميدانيّاً بشكل كبير من تراجع داعش، تسعى إلى ترسيخ تأثيرها أقلّه بالقرب من العاصمة، ريثما يتمّ النظر في خريطة توزيع القوى حول خطوط التماس جنوباً والذي ينتظر اتفاقاً أميركيّاً روسيّاً أوسع.


لكنّ ما فعلته إسرائيل مراراً من خلال قصف مواقع في العمق السوري الواقع تحت التأثير الإيرانيّ المباشر، يأتي ضمن منازعة طهران على مكاسبها السياسيّة قبل تلك العسكريّة. فالضربة التي استهدفت الكسوة منذ شهرين، وضربة أمس على قاعدة التيفور في تدمر، تُعدّان مثلين واضحين على ذلك. فإسرائيل لا تزال تنظر إلى إيران من حيث دورها العسكريّ وتهديده لحدودها، أمّا الأخيرة فباتت تنظر إلى دورها على أنّه أشمل وبصفته ضامناً أساسيّاً لمستقبل سوريا في مسار #أستانا. هذا الصراع بين العلاقة الجدليّة التي تربط الدور بالنفوذ في مرحلة ما بعد داعش يفسّر مجريات أحداث الأمس ... وأحداث المستقبل ربّما.  

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard