نخيل الجُدود بِلَون رفوف الداخلية... قصّة شوقي و"أنشطته اليسارية التي تُهدد الأمن"

11 شباط 2018 | 13:32

المصدر: "النهار"

الثورة، لوحة للفنانة كفاح علي ديب.

أصدر وزير الداخلية أمرًا لمُعاونيه وعُيونه بإيقاف كل اليساريين والإسلاميين والوَحدويين، إثر الانتخابات التشريعية. كان رئيس الدولة أوعز بتنظيمها استجلابًا لرضى فرنسا، وإسكاتًا لأصوات مناوئي الداخل، وحتى "يُدفع سائرُ الجِرذان للخروج من جُحورها": يتبجَّح الوزير أمام رئيسه. كان شوقي من بين الذين اقتيدوا، في الثالثة صباحًا، إلى أقبية الداخلية، حيث انهالوا عليه شتمًا وضربًا بسبب "أنشطته اليسارية التي تُهدد أمنَ الوطن".  

لا تتجاوز أنشطة شوقي اليسارية هذه كلمات طائشة حول التفاوت الطبقي والجهوي، بين العاصمة والجنوب، أطلقها بعفوية أيام الجامعة، قبل سنواتٍ. ويبدو أنها نُقلت وحُفظت في مَلفه الأمني. وقد نسي اليوم الجامعة ونضالَها. بعد وفاة أبيه، لم يعد يشغله شيء سوى تحصيل لقمة العيش لأمه وإخوتِه السبعة الذين بَقوا في ريف الجنوب المُدقع.

غادر شوقي الجامعة في سنته الأولى، ووجد عملاً في مكتب رقنٍ، تحت إمرة مديرٍ مغرور، ينتمي إلى طبقة "البَلْدية". كابَدَ من صَلَفه ما لا يطيقهُ حُرٌّ. وعانى من احتقار زوجته وإشاراتها الجارحة إلى أصوله الريفية... وأخطائه الإملائية بالفرنسية. ولكنه تحمَّلَ غرورَ المدير وإهانات زوجته توفيرًا لقوت عائلته بعد أن اشتَطَّت الأسعار، وصار البلدُ على كفِّ عفريت، إثر تلك الانتخابات الخادِعة.

الثورة، لوحة للفنان عبد الحميد سليمان.

خسرت الأحزاب سباقَها الانتخابي، توهمته "تغييرا"، فوقعت في الفخ: أوقِف كلُّ مَن شارك في الحَمْلة أو أدْلى بخِطابات وتصريحات. وفازت معارضة النظام بمَقْعَديْن رمزيَيْن، أوعز وزير الداخلية بإسنادهما "للكِلاب حتى تَنشغلَ بِنهش العِظَام عن النُّبَاح". وطبعًا، طار الحزبُ الحاكم بثمانٍ وتسعين بالمئة من المقاعد، ضمن مسرحية بارَكتها فرنسا، وابتلعها الشعبُ "سكينًا بِدَمه". ازداد التضييق الإعلامي، وحُظِرت الاجتماعات، وكثرت الوشايات، وأحكم المُخبرون قبضتَهم على أنفاس الناس، حتى ما عادَ الأخُ يثق في أخيه: "استفيد أنَّ أخي حضَرَ اجتماعًا لأحباء المكتبة والكتاب..."، ويكفي هذا الحضورُ تهمةً لتدمير حياة كاملة.  

أثبت المُخبِرون أجهزة تنصتٍ في شُقق المعارضين، وُوظف الآلاف منهم لرفع التقارير، وفيهم عباقرة إعلامية، يعالجون الأخبار بأحدث أنظمة الحواسيب التي أرسلتها الحكومةُ الفرنسية "لدعم مَسار التغيير الديمقراطي".  

لم يعد شوقي يتحمل وضعَهُ المهين في مكتب مديره، فالتجأ إلى بيع النَّخَلات التي تركها له والده، بعد أن ظلت الأسرة تتوارثها كابرًا عن كابرٍ. وقَّعَ عقد البيع وفرَّط في أملاك العائلة أمام دموع أمه ووُجوم إخوته. ما من حيلةٍ سوى بيعها: "التفريط في النخيل ولا المهانة".

جاب بعدها شوقي شوارعَ العاصمة الملتوية، وفي بعض أرْباضها اكترى مكتبًا في الطابق الرابع من عِمارة قديمة. دفع إيجارَه مسبقًا لمدة سنة كاملة، كما اشترط عليه مالك البناية. علَّق لافتةً على واجهة المَكتب: "رَقن، طباعة، نسخ: عصر الشَفافيَّة". واشترى حاسوبَيْن وطابِعةً استجلبها من فرنسا، بفضل مساعدة قريبٍ له يعيش هناك، مقابل عمولة باهظة، ورشوةً مجحفة أداها إلى مُدير الجمارك الجَشِع. "جسد الدولة تحتَ مِجهَر الداخلية، ومع ذلك يَنخَرُه الفساد".

 ما لبث أن ازدحم مكتب شوقي بالزبائن من الطلبة والأساتذة، ولاسيما معارفُه من الجَنوب، حيث أشاعت والدتُه الخبرَ في بواديه: "ابني شوقي مدير كبير في العاصمة"، تُغيظ به جاراتها اللاتي شَمَتْن بها بعد أن فَرَّطت في نخيل الأجداد. يَرْقُنُ لهم مئات الأوراق، وغالبًا ما يَعجزون عن دفع مقابل الخدمة، فتذهب جهوده في الكتابة سُدًى. ولا يقبض منهم إلا التماسًا بتأجيل الدفع، أو وَعدًا بتسليم المبلغ لوالدته مباشرة.

دخلتُ مكتبَه لأسلمه مخطوطَ رسالة الماجستير للرقن. طالعتني شابة مكفهرة الملامح، قمحيةُ اللون، خلف حاسوب ضخم، ترسم بأناملها اليابسة الحروفَ، وتبحث عن النقرات ضمنَ لوحة المفاتيح، فلا تنصاع إليها، ولا تتراصف الكلمات أمام الشاشة المرتعشة إلا بعد لَأيٍ.

قُبالتها، يجلس عجوز نحيفٌ، بلباس البادية. وجهٌ كالحٌ، تعلوه آثار الرَّهق والشدة، بلون القَحط في صَحرائه. سارّني شوقي أنه والدها، وأنه جاره أتى من الريف يَتَرجَّاه أن يُوظف ابنته، لتعيلَ الأسرة، بعد عجزه عن العمل. بكى. "دمْعة الرجال على بناتهم تهدُّ الجِبال". انهدَّ شوقي وقَبل على مضض: بطيئةٌ في الرقن ولا تجيد التصفيف. يجلس والدها القرفصاء في المكتب، يراقب ابنتَه ويتابع حركاتها، ويظل هكذا، شارد الذهن، طيلة اليوم. "عارٌ على فتاة الجنوب أن تعملَ في العاصمة وحدها".

 من الغد، استلمتُ أطروحتي مرقونةً. استضفت شوقي على شايٍ في مقهى شعبي، لا تهدأ جلبتُه أبدًا. وعلى مشارفه، تراءى لنا مبنى الداخلية الشاهق، يُشرف على أحياء العاصمة بعيونٍ تتقدُ رُعبًا من مكاتبها وأقبيتها.

- شوقي، أنت صديق عزيز. دَعْني أصارحك بالحقيقة. أنا من المخابرات، مكتبي في الداخلية، وها هو مبناها يتراءى لنا شامخًا، ومنها نَتَنَصَّت على مكتبك وسائر شُقَق المعارضين. أعرف مَلفكَ بالتفصيل. كل علاقاتك مع اليسار تحتَ مِجهرنا. ونعلم أنكم تخططون لتغيير النظام، وتتخابرون مع جهات أجنبية. تُب واخدِم وطنَك: ساعدتنا في التنصت على "الرفاق" ورفع تقارير عن اجتماعاتهم السرية.

امتقعَ لونه، وغاب في وجوم طويلٍ أشعرني بالندم. دَمعات استرحام تشع في عينيْه ولا تسيل: "دمعة الرجال عزيزة".لا يزال مشروعه طريًا. اعتلت والدته بعد بَيع النخلات، رغم تفاخرها بابنها المدير في العاصمة. ضاحكتُه، فلم يَستجب.

بعد سنوات من الغياب، عدت من باريس بدكتوراه في تاريخ الأفكار السياسية: "أحزاب اليسار في فرنسا النازية". خَطر لي أن أزور ذلك المقهى الشعبي. لا يزال نفسُ النادل يطوف بين زبائنه بذاتِ النشاط والجَلبَة. لم تتغير قسماتُ وجهه، عدا شعراتٍ بيضاءَ غَزت مَفرقَه. بادرني: "هَرِمنا"، ثم أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا: ذَكَّرته بزياراتي وسألته عن شوقي.

-ما سمعتش؟ مات شوقي من سنواتٍ بعدما أصيب بجلطة قلبية. لم يصمد في مكتبه سوى سنَتَيْن. أزعجه البوليس، واتهمته الداخلية باستغلال المكتب لطباعة مناشير لقلب النظام. هل تذكرُ قريبَته؟ كانت مُخبِرة تعمل لصالح وزارة الداخلية، بعد أن خدعت شوقي، وراوَغَت أباها. وَشَت به ظلمًا حتى تنتقم لمهانة والدتها أمام افتخار أم شوقي "بِنجاح ابنها مديرًا في العاصمة".

أذهلني الخبر. كنت وقتها مجرد طالب بسيطٍ أسعى الى إكمال رسالتي في الماجستير في التاريخ. لا أدري أيةَ ذبابةٍ قَرَصتني حتى أختلق لشوقي ذلك المقلبَ السَّمجَ الذي استلهمته بعفوية من الشريط الألماني "حياة الآخرين"، بعد أن شاهدته عشية الفراغ من آخر سطر في رسالتي عن: "المِلكية العَقارية وآليات انتقالها".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard