صورة الدولة تهتز بين "الاعتذار" و"الفوضى"

30 كانون الثاني 2018 | 20:49

المصدر: "النهار "

  • المصدر: "النهار "

جبران باسيل في الرابية (النهار)

صورة الفوضى التي عبثت باللبنانيين، لا تزال تطغى على المشهد الداخلي، مع استمرار التوتر على أكثر من جبهة ومحور، وإن كان هناك تأكيد بعدم السماح بتهديد الاستقرار ووحدة لبنان واللبنانيين وفق ما جاء على لسان رئيس مجلس النواب نبيه بري لدى استقباله الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير. لكن التوتر لا يزال متسيداً الموقف والمشهد العام، فيقدم صورة عن الدولة غير القادرة والهشة وللحكم العاجز عن حل المشكلات وصوغ التسويات حتى في موضوع أخذ أكثر من حجمه وجرى تكبيره، أي مرسوم الأقدمية، وفق مصادر سياسية متابعة، ليتحول صراعاً على الصلاحيات والحقوق والتواقيع، وقد يتطور الى النصوص الدستورية، فيتعطل البلد وتعبث الفوضى بالاستقرار في ضوء التمترس خلف مواقف لا تخدم لبنان واللبنانيين. 

استمر التوتر ومعه قطع طرق محدود وتجمعات استنكاراً لـ"فيديو باسيل" عن الرئيس نبيه بري، بعدما طالت شظايا الشارع أمس كل اللبنانيين، وحولت البلد إلى ما يشبه الحروب المتنقلة، لنشهد اليوم تصلباً في المواقف وانعدام ثقة بين الفريقين المختلفين "التيار الوطني الحر" و "حركة أمل" ومنحى تصاعدياً لم تخفه البيانات والتصريحات وسط توجس متزايد من انعكاسات وتداعيات الغليان على مآل الأوضاع اللبنانية عامة.

وبينما علّق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون رسميا على الازمة الناشئة بموقف "هادئ"، معتبراً أن "ما حدث البارحة على الصعيدين السياسي والأمني اساء إلى الجميع وأدى الى تدني الخطاب السياسي الى ما لا يليق باللبنانيين"، مشدداً على أن ما حصل على الأرض خطأ كبير بُني على خطأ، ومعلنا من موقعه الدستوري والأبوي مسامحة جميع الذين تعرضوا اليه والى عائلته، ولافتاً الى ان القيادات السياسية مطالبة اليوم بالارتقاء الى مستوى المسؤولية لمواجهة التحديات الكثيرة التي تحيط بنا واهمها المحافظة على الاستقرار والأمن والوحدة الوطنية وعدم التفريط بما تحقق من انجازات على مستوى الوطن خلال السنة الماضية، إلا أن بيان تكتل الإصلاح والتغيير كان تصعيدياً من مركز التيار الوطني في "ميرنا الشالوحي"، ما يعني أن لا اعتذاراً سيقدمه الوزير جبران باسيل، وهو موقف عبر عنه النائب ابراهيم كنعان بعد انتهاء الاجتماع بالقول، إن "الكرامات متساوية ومفروض ان يكون هناك احترام لحرمة المواقع والاملاك العامة والخاصة وهناك دولة تحمي الجميع"، مؤكداً "التجاوب مع مطلب الرئيس عون بالتسامح مع الاعتداء الذي حصل على مركز التيار"، لكن "البيان واضح، ومبادرة الوزير باسيل الذاتية بالتأسف، وتسامحنا بعد موقف الرئيس، ويعني بالنسبة لنا ان الملف انتهى".

أما الأجواء في مجلس النواب، فكانت أيضاً تصعيدية، حيث انسحب الخلاف على مسار العمل البرلماني، فطارت جلسة اللجان النيابية المشتركة لعدم اكتمال النصاب وحلت محلها مواقف عالية السقف لنواب كتلة "التنمية والتحرير"، فاعتبر النائب انور الخليل ان مواقف باسيل تعرقل وتهدد الاستقرار والسلم الاهلي والامر لا يستقيم بالاعتذار بل بمراجعة منهجية لشخصية لا مكان لها في زمن السلم، داعياً باسيل الى الاستقالة. أما النائب علي بزي، فقال "ربما تكون لباسيل مصلحة بتأجيل الانتخابات وهو يريد تطييرها لأنه رأى أن حسابات الحقل لا تتطابق مع حسابات البيدر، وحتى اعتذاره لا يكفي".

هل نشهد مزيداً من التصعيد وتحركات الشارع؟ تشير أوساط سياسية الى مخاوف من اهتزاز الاستقرار في البلد، فحتى لو أقفل ملف "باسيل" باعتذار أو بغير ذلك، إلا أن التشنجات السياسية والطائفية والصراع المرتبط بالانتخابات النيابية والتوازنات، قد ينعكس سلباً على التسوية السياسية، وعلى العمل الحكومي أيضاً. وإذا كانت الجلسات الحكومية مؤجلة، أقله هذا الأسبوع، بسبب ارتباطات المعنيين بجولات خارجية، خصوصاً سفر رئيس الحكومة الى تركيا، فذلك يفتح على سلسلة من الاتصالات والمشاورات والوساطات التي يقودها أكثر من طرف سياسي، خصوصاً رئيس الحكومة سعد الحريري الذي لا يريد أي انتكاسة للمسار الحكومي بعد عودته عن الاستقالة، علماً أن لبنان على موعد مع استحقاق باريس 4 وسيدر 1 لدعم اقتصاده، وهو تحدث امس من قصر بعبدا عن مبادرة قريبة له. وفي المقابل، يتحرك عدد من الوسطاء على خطوط المعالجة تفاديًا لانفجار أزمة داخلية تقوض السلم الأهلي، وفق معادلة "الاعتذار او الإستقرار" التي تشترط حركة امل أي تسوية من خلالها، وهو أمر بدا مستبعداً في ظل الاجواء التصعيدية بين الطرفين، علماً أن "حزب الله" لم يدخل بعد جدياً على خط الوساطة، أو التسوية، وهو أيضاً محرج أمام الجمهور الشيعي الذي تمثله "أمل". وتتخوف المصادر أيضاً من تفلت الشارع ومضاعفاته الخطيرة، وهو أمر بدا من الأولويات لدى قوى سياسية مسيحية، حيث أكد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع "اننا كحزب لا نستطيع ابداً التغاضي او السكوت عما جرى في شوارع بيروت والمتن"، مضيفا "إن تقديرنا لرئيس مجلس النواب نبيه بري معروف، ومعروف جداً، ولكن هذا شيء، واللعب بالانتظام العام والنيل من الاستقرار في لبنان والعبث بالأمن شيء آخر مختلف تماماً. فبغض النظر عن رأينا أو تقييمنا لما قاله الوزير باسيل، وبغض النظر عن علاقتنا وتقديرنا للرئيس بري، لا نستطيع ان نقبل ما حصل البارحة، لأنه انتهاك صريح لمنطق الدولة ووجودها".

لا يبدو الحل على الأبواب، وقد نشهد وفق المصادر أزمات سياسية وربما أمنية في المرحلة المقبلة، وقبيل الانتخابات، لتصبح صورة الدولة هشة، بين الاعتذار والفوضى.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard