صيف تلك السنة في ألاسكا!

29 كانون الثاني 2018 | 15:30

المصدر: "النهار"

ألاسكا.

المشاهد الخارجيّة هي في الواقع الإمتداد الطبيعيّ للأحاديث الداخليّة؟

خلال صيف تلك السنة، تداخلت أحاديثه الداخليّة مع المشاهِد الخارجيّة التي كانت الزينة الخلفيّة في ألاسكا، بصَقيعها الحميم والمُجزي عاطفيّاً... وهذا الصَمت المهيب الذي يَنزلق رذاذه داخل الروح.

هذا الصقيع الذي يوحي بالعزلة، يستحضر في الواقع، الأحاديث الداخليّة التي يتمكّن الإنسان من خلالها أن يَفهم "رقصة الحياة" المُستمرّة ما بين الولادة والموت. وربما فهم فجأة أن هذه الرقصة الصاخبة هي معضلة لا يُمكن فكّ لغزها إلا لدى الاتحاد مع هذا الكون الجميل.

في ألاسكا، كانت الأحاديث الداخليّة الآسرة والمُقلِقة في قدرتها على "كشف النقاب" عن أسرار الحياة، لغة التواصل ما بين الشاب جورج يزبك (33 عاماً)، وهؤلاء الذين كانوا يعيشون يوميّاتهم "الباردة" وسط طبيعة قاسية وحنونة في آن واحد.

خلال صيف تلك السنة، تعرّت الطبيعة من تحفظها المَدروس، وعَرضت مفاتنها أمام عدسة هذا الشاب الذي يعيش لحظة إفتتان ربما إستمرّ لحنها سنوات طويلة، مع الولادة والموت وكل ما يُمكن أن يحدث ما بين هذه اللحظة وتلك.

طيف صيف العام 2014 سيبقى محفوراً في شرايين الصبا التي يرتديها جورج يزبك ثوب أيامه ويَخفي خلفها ابتسامة عارِفة محفورة داخل روحه "العتيقة".

أطلق على سلسلة الصور التي التقطتها عدسته المُزخرفة بالحِكمة: "Moments Within".

كان لا بدّ لهذه الصور القادمة من "هُناك"، من أن تُسلّط الضوء على اللحظات الداخليّة التي يفهم من خلالها الإنسان كل شيء. هذا الصمت يولّد الكثير من الأحاديث، وقد تمكّن جورج يزبك من أن يُحوّلها رحلة مرئيّة تخفي خلف الهُدوء الظاهريّ الشُعلة والبريق والوَهج...وكل ما يُمكن أن يحصل في الطريق ما بين الولادة والموت.

جورج يزبك مُصوّر مُحترف ومخرج يستهويه توثيق الواقع، وهو حائز جائزة "إيمي" العريقة. يتنقّل بين نيويورك ولبنان. يقول بهدوء "أكبر سناً" من سنواته الـ33، "إنطبخت بأميركا، ولكنني إنتقلت إلى لبنان لأقدّم ما تعلّمته في الولايات المتحدة. لبنان يتطلّب في الواقِع أن نُعطيه الكثير".

بعد سنوات طويلة أمضاها في الولايات المتحدة، زار ذات يوم من العام 2015، هذا البلد الذي تحوّل اليوم "مربض خيله" وملاذ إبداعه، بهدف تصوير فيلم وثائقيّ لأوستراليا.

فوجئ يزبك بجمال لبنان ولم يفهم إصرار وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعيّة على التركيز على كل ما هو مؤلم ويعكس البشاعة والإهمال. يقول خلال حديثه مع "النهار"، "طيب قطّعولكن شي دقيقتين عن الجمال! وتوسلوا الأسلوب المُشوّق. الأشياء الجميلة تزوّدنا الإلهام وتُحفزّنا. الله أعطانا كل الثراء في هذه الدنيا. ربما علينا أن نُصفّي القمامة التي يقذفها البعض علينا".

جورج يزبك يحلم "بغزو" البلد بكل ما هو جميل. فلندعه يحلم.

وقد اختار التصوير، هذا الوسيط الذي يَصفه بالنبيل، ليُسجّل التاريخ الذي يُريده أكثر جمالاً مما هو عليه في الواقع. أو ربما يُريد تسجيله من خلال نظرة عينيه التي تَلتقط الجمال في كل مكان. "التصوير رحلتي وقد تعلّمت أصوله بمفردي".

سلسلة الصور التي التقطها ذات صيف بارد في ألاسكا عرضت أخيراً في المركز الثقافي الفرنسي، وتستعد حالياً للتنقّل في مُختلف الفسحات الثقافيّة والفنيّة في البلد.

وهي مُرفقة بنصّ كتبته والدته التي تفهم جيداً نزوات حنايا روحه. "من خلال هذه الصور، أنا أتحدّث في الواقع عن الإنسان وعلاقته مع هذه الدنيا. ألاسكا هي الزينة الخلفيّة فقط".

الصور غامضة "تُطرّزها" النزعة التجريديّة. ولكن ثمة صورة يصل إليها الزائر في آخر الرحلة المرئيّة، يعود من خلالها إلى الواقع مُبتعداً عن الغموض. هي لعبة فنيّة بين البداية والنهاية.

جورج يزبك يعيش انصهاراً كاملاً مع هذا الكون، ويمضي ساعات طويلة في الشارع مُلتقطاً الصور التي تروي لحظات هاربة في حياة الذين اقتربوا من الموت أو الذين ما زالوا في أيامهم الأولى في هذه الدنيا الجميلة.

يعيش افتتانه مع الولادة والموت على طريقته.

 ففي النهاية، هي مجرد رحلة، ويُريد لها هذا الشاب الذي فهم باكراً أهميّة الحياة، أن تكون جميلة في إطلالتها وتستحق لقب "الهبة".

-يمكن متابعة رحلة جورج يزبك المرئيّة الزاهية عبر حسابه على "إنستغرام": My Photographic Impulse.

Hanadi.dairi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard