من سهوب أفغانستان إلى سطور الشاشة... لِم هذا التجني؟

26 كانون الثاني 2018 | 20:31

المصدر: "النهار"

التجنّي، لوحة لإسماعيل الرفاعي.

ابحثْ في ذاتِك وأنحائها الدفينة، ولا تترصد ذوات الآخرين. وفي آفاقها فتِّش عن مَطويِّ ذكراك وصورة معناك. ولا تُسقطه على فدوى، هذه الأفغانية التي أنشأتها شخصيةً ثائرةً، في روايتك الأخيرة وحزتَ، بفضل ما تخيلته من مآسيها، على جائزة أشهر جمعية نسوية بفرنسا. أليس الأولى أن تتفسَّح في أدْغال نفسك، بين كنوز الأحداث التي واراها خجلُك، فغابت في طبقات الإنكار؟ ما شأنك بـفدوى وأهلها؟ حتى تنساب إليهم في جُنح الظلام، تسترق سَمَرهم، وتدلف إلى غرفتها البائسة لتستولي على دفترها؟ ألست تدعي أنك عالَم صغير، انطوى فيه العالم الأكبر؟ اغتنم إذن رحابَته عوضَ التلصص على عوراتِ الخَلْق في أحياء كابول الضيقة. اكتبْ عن أي موضوعٍ: عن مقاهي باريس ومغانيها، أو عن قطاراتها وضواحيها، ولا تتعرض لدموع فدوى حين غادرت ضيعتها الغنَّاء في ريف كابول.    

السيرة سيرتُك، فلا تسقِطها على تغريبة فدوى، حين ارتحلت بعيدًا عن أهلها، تقطع مفاوز البرد والوحشة بحثًا عن نسمة الحرية. قُصَّ سفرَ أجدادك إلى فرنسا، زمن الحرب، وكنت حينها يانعًا اقتلعوك من جَبَلك، فأنتم أيضًا تِهتم وتشردتم. عادوا هم في توابيت، وبقيتَ أنت في باريس. أليس في هذا ما يكفي لملء صفحاتٍ؟ ارْوِها ولا تتحفظْ بدلَ هذا التسلط السخيف على آلام إمرأة، فقط لأنها إمرَاة وأفغانية. تُعمل فيها مِبضع الانتقاء وتختار من عذاباتِ تيهها ما يخدم روايَتَك، ويُرضي ناشرَك الطمّاع. مآسي فدوى هي جمرتها المتوقدة التي تتدفأ على وهجها. لا تقتبس منها نارًا دون إذنِها. ليس هذا من مُروءة القلم: تستلقي في شقتك الباريسية الفاخرة، ناعمًا بالدفء، ثم تروي قسوةَ الصقيع التي كابدته هذه الشابة، حين هُجِّرت أيام القصف والتدمير. أما لديك ما يكفي من آثار الطفولة في جسدك؟ حتى تتفنن في تشريح نُدوب جَسدها، بعد أن ادَّعَيت، بهتانًا، أنَّ أهلها تعاقبوا على ضَربها لأنها أحبت شابًا من القرية المجاورة؟ ابحث في أوراقك القديمة لعلَّكَ تجد فيها ما تستطيبه من قصص تعرضها لناشرك، يقرأها في شاشته الحديثة ويعلق عليها بسخرية. لا تتجسس على دفاتر هذه المسكينة، تستقي منها المادة التي تُرضي جشعه. ثم تستمع في نفاقٍ إلى حيل السرد التي يقترحها ليزيد من جاذبية الرواية في الأسواق، اتِّجارًا بهشاشة الناس وضحكًا على ذقونهم.      

 ألا تخجل من تصوير دخيلة هذه الشابة، والمبالغة في وصف صدمتها بعد أن اكتشفتْ - حسبما قررتَ- أن يكون حبيبُها ذاك من أميرًا لخلية من خلايا "القاعدة" النائمة؟ لمَ حكمت عليها أن تترك قريتَها محطمةً تعاني وجعَ التشريد والخيبة؟ وحتى وإن كانت القصة من نسج خيالِك، فهذا لا يسوغ لك التلاعبَ بمصيرها، واستغلال ضعفها في صفحاتٍ تباع في الأسواق، يثرثر حولها النقاد في أندية باريس ومقاهيها. ولمَ تجرأت أصلاً على العبث بجسدها، طيلة فصولٍ، تروي كيف تعرَّفتْ، في أحد فنادق قرى كازاكستان، على شابٍ أراد اغتصابها لأنها سافرت "دون مَحْرم"؟ ثم برَّرْتَ زورًا: "أغوص في أغوار ذاتها لمساعدة القراء على فَهم ذواتهم". لا تهتمُّ بها حقيقةً، بل تتخذها تعلةً لتضخيم شهرتك. تبالغ في ديكور الفظاعات، لتهويل انتصاراتك. قرّاء فرنسا يقبلون، ويشترون رواياتك، ثم يثرثرون عن الإرهاب. استغللتَ ضعفها- وهي الكائن من ورقٍ- لتصنع أقنعتها، وتنطقها بما تشاء. تُجري على لسانها ما يروق لك من الخواطر تَعسفًا حتى يكون جَسدُها الجريح ضحية لغِلظة الرجال وثقافتهم الظلامية. كل الظلام مستباحٌ...سلعةً تبيعها لقرائك.

أتذكر كيف أذعنتَ إلى أوامر ناشِرك حين أرغمك على رسم الأهوال التي عاشتها فدوى، من سهوب أفغانستان الباردة إلى قرى تركمانستان وتركيا، ومنها - قرَّر هو- أن تصل باريس وأن تستقبَلها رئيسة جمعية نسوية. هل تذكر كيف أجبَركَ على إدماج شخصية إرهابي-إسلامي في كل مرحلة من مراحل سيرها الطويلة؟ انبطحتَ بخنوخ، وتفننتَ في اختلاق شخصياتٍ ظلامية تترصدها، مثل وحوش ضارية، أنى سارت. كأنَّ ثقافتهم سبيٌ وجَلدٌ ورَجمٌ.  

لِم هذا التجني؟ أطلقْ سراحَ فدوى ودَعْها - كما فعل من قبل الفرنسي ريمون كينو- تطير إلى شوارع مدينتها، وأوديتها الخضراء، تتفرس في وجوه جيرانها، وتبحث فيها عن صديقاتها اللاتي افتقدتْهُن واشتاقت إليهن، ككل فتاة تحن لطفولتها. دعها تعود إلى حقولها، تمرح في سهولها وتنهل من عيونها. ستستعيد حريتَها ووطنها، دون تملقٍ منك ولا جلبةٍ من نقادك. أطلق لسانها بأحلامها، كما تراها هي، ولا تُسقط عليها أحلامَك. اتركها تتغنى بأهازيجها البَشتوية، لا بما يفرضه غُرورك: شعاراتٍ ثورية لا مناسبةَ بينها. ما أسمج الفصل قبل الأخير: وفرت لها الجمعية النسوية شقة في باريس، وفيها تنعم فدوى بالحرية، وتلقي محاضرات بأفخم جامعات "عاصمة النور". ابتدعتَ هذا لتخفف عنك وخزَ الضمير، وتريحه من عناء المُساءلة. أوصلتْ بك الدناءة إلى تسريع الأحداث على هذا النسق المحموم، وتجميل النهاية إلى هذه الدرجة. تتلذذ في سردك بين صمت وتحويرٍ وإغارة على روايات الأدباء الروس. هانئًا تغترف مما سطره الناس قبلك، وأنت ترتشف قهوتك، في حديقتك المخضرة أو أمام شاشتك الضخمة...

يدق الباب فجأة. ينهض الكاتب متثاقلا، وفي يده فنجان القهوة. يفتحه بلا اكتراث ظانًا أنها الخادمة عادت بالكرواسون الصباحي. يرى أمامه فدوى، تواجهه في جرأةٍ، بعد أن خلعت حجابَها الأسود. كان وجهها صامدًا، وشعرُها منسدلاً: لماذا جعَلتَ متشددي الضواحي الباريسية، يقتلونني، في نهاية قصتك، إثر محاضرتي بمعهد العلوم السياسية؟ ألم يكفك أنك أوهمتني بحرية فرنسا وزيَّنتَها لي حتى هجرتُ من أجلها أهلي، وداري وحقلي؟ سأقتص لقومي. سألعن حريتَكَ وقلمَكَ. أنت لا تكتب أصلاً بلغة قومك، بل بلغة مَن استعمَرَ أرضك وسهولَها. أصابتني عدوى كلماتك. ونالتني شظايا عنف شخصياتك. وباسمها، سأقتلك بدوري.  

أطلقت بطلة الوَرق رصاصةً من خلف الفقرات المتراصفة جُملاً، وراء شاشة الحاسوب الضخمة. انطرَحَ جسد الكاتب مضرجًا بدمائه الزرقاء، تملأ أرضية الصالون الفاخر. دَلفت فدوى إلى مكتَبه، وأخذت منه عددًا من الروايات الروسية التي كان يطالعها. وتراءى لها عنوانٌ فرنسي: « Le Vol d’Icare ».        

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard