"ساراز باغ" تُبدّل حياة مئات النساء

25 كانون الثاني 2018 | 15:50

المصدر: "النهار"

لم تتعلم التصميم أكاديميّاً، بل تخصّصت في علم الاجتماع، وركّزت في أطروحتها على الدعارة في لبنان. لم تعلم سلفاً أن حياتها على وشك أن تتبدّل جذريّاً، أو أنها ستُساهم في تمكين مئات النساء اللواتي يعشن الحرمان والظلم وحكم المجتمع المُسبق عليهن، ويعرفن الوجه المُظلم للحياة.

كان همّها أن تُنجز الدراسة التي أرادتها شاملة لكل مُحيط الدعارة، ولتتمكّن من إتمام هذه المُغامرة الاجتماعيّة التي أخذتها إلى رواق تُزخرفه القسوة وتُسيّجه العزلة، كان عليها أن تمضي 6 أشهر في منظّمة غير حكوميّة تعنى بإعادة تأهيل السجينات السابقات والنساء المعنفات.


وبعد فترة قصيرة من احتكاكها المُباشر مع اللواتي حَفرت الغصّة حضورها في أرواحهن، اكتشفت أن الوسيلة الفضلى لتخرج كل إمرأة إلى حيث الأمل والبدايات، هي من خلال إيجاد البديل لها الذي يُمكن أن تكسب من خلاله القليل من المال.

وكانت فرصة لسارة بيضون لتتجه نحو الخَلق والإبداع والتصميم لتتمكّن من توظيف النساء المظلومات من جهة، ولتبيع المنتج في حلّته الأخيرة من جهة أخرى.


فإذا بها تزور أحد السجون النسائيّة لتعمل بدايةً، مع بعض النساء لصناعة حقائب اليد غير التقليديّة.

وكم كانت المفاجأة كبيرة عندما بيعت كل الحقائب التي طرّزتها السجينات.

واليوم، بعد 18 عاماً على السطر الأول لقصّة النجاح هذه، أمست العلامة التجاريّة Sarah’s Bag (حقيبة يد سارة) حُلم كل سيّدة عصريّة تعشق "الزنطرة" من جهة، وتُريد، من جهة أخرى، أن تُساهم في تمكين النساء البطلات اللواتي يعملن في الكواليس.

200 إمرأة يعملن في Sarah’s Bag. وبفضل إدراج الخرز والتطريز والزخرفة والزركشة والترترة والحياكة والتلاعب بالأنسجة، صار بإمكان كل إمرأة حكم عليها المجتمع بالإعدام بسبب ماضيها أو ظروفها القاهرة، أن تقف مجدداً وأن تصمد في وجه رياح التغيير، أكانت في السجن أم سجينة منزلها، واليوم "صار بينحَسبلها حساب".


وباتت نظرة المجتمع إلى النساء الـ200 اللواتي يعملن على هذه الحقائب المتأنقة التي "تُزخرف" إطلالة المشاهير في مختلف انحاء العالم، أكثر احتراماً لاسيما وإنه بفضلهن خرجت مئات العائلات من هامش الطريق إلى منتصف "ساحة المعركة".

الصناعات اليدويّة "العتيقة الزيّ" تنصهر مع الحداثة مُستقبليّة الطلّة، لتحصل المرأة التي تختار ابتكاراً أو آخر، على حقيبة يد مُتقنة وفاتنة تزيدها أناقة و"أبهة" من جهة، وتُساهم من خلالها في تمكين سيّدة قد تمضي 25 ساعة لتُنجز حقيبة واحدة.


وزيارة المقر الرئيسي لـ"حقيبة يد سارة"، هي بالدرجة الأولى زيارة للألوان الزاهية والتطريز والتصاميم "العيّوقة" والاخرى الكلاسيكيّة، وهي فرصة للتعرّف عن كثب إلى سارة بيضون التي تقول لـ"النهار" وهي تضحك، "لقد ولدتُ سعيدة"، وتضيف "وعندما أرى أنني قادرة على تغيير حياة العديد من الناس أشعر بالرضا".

وهذه السعادة المُعدية تنتقل إلى التصاميم الزاهية والمرغوبة من كل "ستّات المجتمع"، والتي تُنجز وفي البال في الدرجة الأولى، كما تؤكّد هذه السيّدة السعيدة، "السجينات، لننتقل بعدها إلى السيّدات الأخريات العاملات معنا. لكل فريق عمل التقنيّة التي تعتمدها النساء فيه، وعندما تزورنا السيّدة في مقرّنا الرئيسي في الأشرفيّة تشرح لها المسؤولة عن المبيعات قصّة المرأة التي عملت على هذه الحقيبة أو تلك. اليوم، بعد كل هذه السنوات، صارت رسالتنا واسعة الانتشار والمرأة على علم بأنها تُساهم بتمكين إمرأة أخرى عندما تختار أحد التصاميم".

في هذه الفسحة التي تعمل فيها الكثير من السيّدات، هي قصّة "عايدة" التي دخلت إلى المكان منذ سنوات طويلة. ذات يوم مرض زوجها ووجدت نفسها المعيلة الوحيدة للعائلة، وها هي اليوم تعيش الاستقلال الكليّ وتُساهم بدورها في تغيير حياة مئات النساء في قريتها اللواتي يعملن "تحت إيدها".

 تقول لـ"النهار": "اليوم صار فيني سافر وتغيّرت حياتي 180 درجة، وصرت ساعد كتير ستّات بالضيعة عنّا".

هي أيضاً قصّة مئات النساء اللواتي تندمج قصصهن "بالإبرة والخيط" والمطرّزات، وتنتقل لحظة "تحريرهن" من "سجن الأيام" بطريقة أو أخرى إلى هذه الحقائب "البهيّة" والمتألّقة.


وما بين "درزة" وأخرى، تُصبح المرأة في "الكواليس"، أكثر قوّةً وأكثر تمكّناً.

أمّا المرأة التي "تقبض" بإحكام على هذه التصاميم المتأنقة بين يديها، فبإمكانها أن "تتغندر" و"تتزنطر" بإطمئنان وهي تعرف سلفاً أنها "ع الموضة".

وإذا "خطر على بالها" أن تختار التصاميم الجريئة في "تصريحاتها" والصاخبة في إطلالتها، أو الأخرى الأكثر "تهذيباً وتحفظاً"، فليكن، "يعني، ما حدن إلو معها شي"!

                                                   Hanadi.dairi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard