سجال أميركيّ جديد.. "دفاع عن النساء" أم "حرب على الرجولة؟"

19 كانون الثاني 2018 | 20:08

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

تحوّل قسم كبير من المشاكل الاجتماعيّة في الولايات المتّحدة إلى مادّة سجاليّة اختلطت فيها المناكفات السياسيّة بالخلافات الحزبيّة. فقضايا التحرّش الجنسيّ وعمليّات إطلاق النار الجماعيّ باتت عنواناً لمزيد من الانقسام بين "المحافظين" أو "اليمين" من جهة و "الليبراليّين" أو "اليسار" من جهة أخرى، وذلك بحسب التصنيفات المتبادلة والمستخدمة في وسائل الإعلام الأميركيّة.

منذ يومين، كتبت لورا كيزل في مجلّة "بوليتيكو" الأميركيّة مقالاً تحت عنوان: "لا تلوموا المرض النفسيّ بسبب إطلاق النار الجماعيّ: لوموا الرجال". في هذا المقال، استعانت كيزل بدراسات تظهر أنّ 14.8% فقط من حوادث إطلاق النار الشامل التي حصلت في الولايات المتحدة بين عامي 1966 و 2015 تسبّبت بها أمراض نفسيّة. ووجدت دراسة أخرى أنّ 4% من حوادث القتل الفرديّ تسبّب بها أشخاص يعانون من مرض نفسيّ. وبما أنّه منذ سنة 1982، ارتكب الرجال 94 عملية إطلاق نار شامل من أصل 96 كما أوضحت، استنتجت الكاتبة أنّ القاسم المشترك بين جميع مطلقي النار خلال 35 سنة هو جنسهم. وأشارت بين هلالين إلى أنّ غالبيّتهم كانت من البيض.

تعبير عرضيّ أم نمطيّ؟

صحيح أنّ كيزل عادت وأكّدت في مقالها ضرورة استهداف "الرجولة السامّة" التي تميل إلى التعويض عن فشل ماليّ أو اجتماعيّ أو عاطفيّ بالعنف المسلّح، لكنّ لوم "الرجال" في العنوان، قد لا يكون تعبيراً فرديّاً يُقصد من خلاله جذب القرّاء. في الثالث من حزيران الماضي، وردّاً على الاعتداء الإرهابيّ الذي استهدف "لندن بريدج" وأوقع ثمانية قتلى، كتبت الممثلة والشاعرة الأميركيّة الغنائيّة بيتي ميدلر تغريدة على "تويتر" جاء فيها: "مزيد من الأسى والحزن على أيدي الرجال المجانين في لندن. الرجال والدين هم بلا قيمة". هذا التعميم الذي يتّهم كلّ الرجال بما فعله ثلاثة مجرمين منهم (وكلّ الأديان بما فعلته قلّة ضالّة في أحدها)، بات مساراً يدلّ على نمط تفكير معيّن في جزء من المجتمع الأميركيّ.


ذكرت مجلّة "كونسيرفاتيف ريفيو" الأميركيّة أنّ هيلاري كلينتون قالت في إحدى المناسبات منذ شهر إنّ الرجال "يفعلون كلّ ما في وسعهم لإبطال الحقوق والتقدّم الذي كافحنا بشدّة من أجلها خلال القرن الماضي". وخلال الحفل تمّ توزيع المشروب في زجاجات مكتوب عليها "الرجولة السامّة". وفي وقت شدّد راين دوغلاس في موقع "هافينغتون بوست" على ضرورة التمييز بين "الرجولة" و "الرجولة السامّة"، كان لمدير "مركز المعلومات والموارد حول صحّة الرجال" التابع لجامعة سيدني الغربيّة البروفسّور جون ماكدونالد رأي مختلف في حديثه إلى شبكة "أي بي سي" الأستراليّة إذ قال إنّ "الحديث عن الرجولة السامّة – ينطوي ... على (معنى) أنّ جميع الرجال سامّون".

أوبرا وينفري.. "لا تنتقد المتحرّشين بل تدمّر الرجولة"

شنّت وسائل الإعلام المحسوبة على المحافظين هجوماً على "الليبيراليّين" واصفة إيّاهم بأنّهم يريدون "تدمير الرجولة". سوزان فنكر من مجلّة "واشنطن أكزامينر" انتقدت منذ حوالي عشرة أيّام خطاب أوبرا وينفري الذي ألقته حين تسلّمت جائزة "سيسيل بي دوميل" ضمن إطار الدورة ال 75 لحفل توزيع جوائز "غولدن غلوب" إذ قالت: "لقد عشنا نحن جميعنا كثيراً من السنوات في ثقافة كسرها رجال وحشيون أقوياء. لم يتمّ الاستماع إلى صوت النساء أو تصديقهنّ إذا تجرّأن على التكلّم بحقيقتهنّ أمام قوّة هؤلاء الرجال. لكنّ وقتهم قد انتهى".



فنكر وهي كاتبة أميركيّة في مسائل العائلة والزواج والرجال، ركّزت على مصطلح "نحن جميعنا" التي وردت في خطاب وينفري وكأنّ الولايات المتّحدة باتت غارقة بالرجال الأشرار بدلاً من أن يكون الموضوع محصوراً في مجموعة من الفاسدين كما شرحت. وكتبت أنّ الهجوم على رجال موجودين في السلطة لا علاقة له بالدفاع أو بإعطاء صوت لضحايا التحرّش الجنسيّ. بالنسبة إليها إنّ حركة "أنا أيضاً" أو "#MeToo" مرتبطة ب "تدمير الرجولة" لا بحماية النساء اللواتي تعرّضن للتحرّش.

"يريدون أن يكون الفتيان فتيات"

في مقابلة مع "فوكس نيوز" هاجم نيد ريون، صاحب مقال "في الدفاع عن الرجولة" ضمن "صحيفة العظمة الأميركيّة" مصطلح "الرجولة السامّة" الذي اخترعه الإعلام وهوليوود بحسب رأيه. ويضيف أنّ هذين القطاعين ساهما في تسليع المرأة على مرّ السنوات وتطبيع الجمهور مع مشاهد السلوك البغيض بحقّهنّ والآن يريدان أن يبرزا بمظهر المدافعين عن الحقّ. "هذه ثقافة خلقها اليسار". وقدّم منتج الأفلام هارفي وينستاين وبيل كلينتون والسيناتور الديموقراطيّ آل فرانكين كأمثلة على ما أشار إليه. وأضاف: "في الواقع، لا يريدون حتى من الفتيان الأميركيّين أن يكونوا فتياناً. يريدون من الفتيان الأميركيّين أن يكونوا فتيات".

"الرجولة عائق أمام هدفهم السياسي"

ويبدو أنّ قسماً كبيراً من المحافظين الأميركيّين مقتنع إلى حدّ بعيد بمحاربة اليسار للرجولة بدءاً من التربية والتعليم. يرجع بعضهم هذا التوجّه إلى أسباب سياسيّة ترتبط بأهداف اليسار ودولتهم "الاشتراكيّة". سلفاتوري ديجينارو في موقع "أميركان ثينكر" تحدّث عن "حرب تُشنّ على الرجولة" لأنّ "الرجال الرجوليّين هم أصعب على الدولة الاشتراكيّة المستبدّة في السيطرة عليهم". وكتب أنّه لهذا السبب "صنّف اليسار الرجولة بأنّها سامّة. هي تقف عائقاً أمام هدفهم النهائيّ". وأضاف: "الرجولة تجعل الرجل متفرّداً. الرجال المتفرّدون هم رأسماليّون لا شيوعيّون وهم يتّكلون على أنفسهم بدلاً (من الاتّكال على) الحكومة". وفي انتقاده لمقاربة اليسار حول مسائل التحرّش الجنسيّ، لفت النظر إلى أنّ النقص في الرجولة هو الذي يؤدّي بالبعض إلى اللجوء للتحرّش لا العكس.

وأتت عبارة "الرجولة المقدّسة" التي أطلقها الباحث في "مؤسّسة تعليم الاقتصاد" روبن كورنر والمقابلة ل "الرجولة السامّة" كمحاولة لإنهاء الجدل الدائر في الولايات المتّحدة حول هذه المسألة. لكنّ هذه العبارة التي يشدّد على أنّها تعني "اللطف والصدق والسيطرة على النفس والانضباط والبطولة والحمائيّة والقوّة والعقلانيّة والذكاء" قد لا تنجح في إقفال هذا النوع من الجدالات، في مجتمع يزداد غرقاً في الاستقطاب السياسيّ والاجتماعيّ يوماً بعد يوم.


مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard