في حَرَم الجامعة حبٌّ وأقصى اليمين

10 كانون الثاني 2018 | 22:19

المصدر: "النهار"

1. يعلمُ يقينًا أنَّها تُحبه، وأنها تتحاشى التصريح بهذا الحب حياءً. يرى قوةَ عاطفتها المشبوبة حدَّ الحيْرة والتيهِ. ويدرك كم يُؤلمها قيدُ العبارة: تغالب نفسها والكلامَ، ولكن تغلِبُها عيونُها والابتسامة، وجملٌ مُقَنَّعةٌ تنساب في جُنَح القطارات السريعة. تَدفع عنها ذكريات مدينتِها، فتسبح في الغموض الذي يلفُّ لقاءهما: كلمات مُقَطَّعة يعقبها صمتٌ. عبارات غائمة يَليها انكفاء. ضحكات مُسترقة أمام مقهى الجامعة ودروبها المُخضرَّة. يراها تُوارب مشاعرَها وتقصيها ولكنَّ "المَعنى وَقَرَ في قلب الشاعر"، فلم تعد تنفع أقنعة العاصمة، كلاَّ ولا حيلُ الإداريات. أرادت أن تظلَّ طالبةً جادةً. ولكنْ هيهاتَ. 

****

2. تَعلم يقينًا أنه يُحبها، وأنه يتلافى التعبير عن هذا الحبِّ حياءً. ترى صدق مشاعره المشبوبة حدَّ الثمالة حين يناجيها، يُسائلها أو يداريها. تُدرك كم يُوجعهُ أن يمتلك فنَّ البلاغة، ولا يقول شيئًا حين يحاورها دقائق في حَرم الجامعة، أو أمام موقف الحافلات. ترى كم يداعب شَفا العبارة الهاري، دون أن يسقط بين أحابيلِ معانيها، ويُربكها أن يخنُقَ ذكرياتِه حين يتيه في براءتها، بين كتبٍ وتمورٍ. تراه يُواري مشاعرَه ويُقصيها، إن طافت بقلبه آهات الشعراء ودُفع في مَضائقهم. يلتجئ إلى أقنعة العاصمة، ولم تَعد تنفع، ولا الإداريات. أراد أن يظلَّ أستاذًا جادًا. ولكنْ هيهات.

**** 

3. يعلم يقينًا أنهما يحبان بعضَهما البعض، ويستشعر جرأةَ لقائهما. يحلمُ بإذاعة "هذا السرِّ". ولكنه يُدرك أنه لا يملك من وسائل التعبير ما به يصوغ تقريرًا وشائيًا، يرسله إلى إدارة الجامعة أو مخْفَر الشرطة. يدرك أنه لم يَعد يعيش في مدينته العربية، يشتمُّ روائح التلصص، حين يروح ويغدو بين مكاتِب المخابرات ولجان الحِزب. لا تُمكنه فرنسيته الهزيلة - وهو لاجئ عربي- من كتابة تقرير كَيْدي: استُفيدَ أنَّ... يُربكهُ أن يرى المكتبَ مُضاءً حتى الساعة التاسعة ليلاً، تنبعث منه أسئلةٌ عن أشجار بستانه اليابسة. توجعه ذكريات قريته الغارقة في تقارير المُخبرين الذين تجاوزهم الزمن. يَسبح في وَحدته ساعاتٍ وراء مكتبه، ولا حسَّ لِحَيٍّ. يخاتل تَبَرُّمه ويقصيه. يعود إلى مكتب الحراسة. يريد أن يظلَّ حارسًا جادًا. ولكنْ هيهات.

****

4. يعلمان أنَّ الحارس رأى لقاءً منهما خاطفًا، وضحكاتٍ مسترقة. ويعلمان يقينًا أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يحب الآخر، وأنَّ التصريح بذلك الحب مغامرةٌ، قد تنسف قصور رملٍ بنياها على شاطئ الغربة المقفر. يدركان أنَّ العبارة ستكون أوجع من الصمت والمواربَة، وأنَّ الضمير أسترُ للأسئلة الحارقة. يكتفيان بارتعاشة جَسَدَيْهما حين يراوغان نظراتِ الحارس أو يمران أمام مكاتب الإدارة. يستروحان ذكريات مُدن الربيع البعيدة، ويمران بثباتٍ أمام تجمع لطلبة أقصى اليمين. فتاةٌ محجبةٌ تجُوب الحرمَ الجامعي في رشاقةٍ: تتابعهما نظراتهم الحاقدة. لا يمكنهم التصريح بكراهيتهم الدفينة. تمنعهم أقنعة العاصمة، وبعض الإداريات. وكلها لم يعد ينفعُ. يَسدرون في أمْجاد ماضيهم. يريدون أن تعود المَلكية عاتيةً. ولكن هيهات.

****

5. يدركان يقينًا أنَّ درس اليوم صار مستحيلاً: يُغالب الأستاذ نفسه ويحملها على الإلقاء: يتعلق درس اليوم بالتوظيف السياسي لآليات السرد... ثم تضيع كلماته في شبه هذيان... تغالبُ الفتاة المُحجبة نفسها على الاستماع...ثم تغيب في هواجسها ومشاهد الثائرين يهزجون. يمر الحارس أمام قاعة الدرس متظاهرًا بالبحث عن شيء. ترتبك خطواته ولا يتقدم. يَتَفرق طلبة أقصى اليمين في هياجٍ، لا تكاد تبين رطانتهم.  

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard