بين 2009 و2018... كيف اختلفت الاحتجاجات الشعبية في إيران؟

3 كانون الثاني 2018 | 15:19

المصدر: "النهار"

الاحتجاجات.

مع اندلاع التظاهرات الأخيرة في #إيران، عاد المراقبون بالذاكرة إلى الحركة الاحتجاجيّة التي خاضتها المعارضة سنة 2009 عقب الانتخابات التي أعطت الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد ولاية ثانية في منصبه. وركّزت المقارنات على الطبقة الاجتماعيّة التي تنتمي إليها الفئات المتظاهرة والمطالب التي حملها المعارضون إضافة إلى عدد من المسائل الأخرى من أجل محاولة توقع اتّجاه الأحداث الحاليّة.

عمليّاً، هنالك صعوبات تعترض مقارنات كهذه. فاحتجاجات اليوم لم تختم أسبوعها الأوّل بعد ممّا يصعّب على المتابعين الحصول على الأرقام الأقرب إلى توفير المعلومات الأساسيّة المحيطة بالملفّ. وهذا الأمر يفرض بدوره صعوبة استقراء الواقع لتحليل آفاق مستقبل هذه المظاهرات ومآلاتها. من جهة ثانية، تحتاج الحركات الاعتراضيّة التي تعبّر عن نفسها في الشارع إلى وقت كبير من الدراسة يعقب نهاية تحرّكها الميدانيّ، وهذا العامل غير متوفّر في مظاهرات اليوم التي لا تزال نظريّاً على الأقل، في مراحلها الأولى. لكن على الرغم من صعوبة المقارنة بين مظاهرتين، واحدة منتهية منذ سنوات وأخرى بالكاد بدأت، يبقى بعض النقاط التي يمكن تسليط الضوء عليها لاستجلاء المشابهات والاختلافات بين الحدثين. 

أعداد أقل، انتشار أكبر

لي كيث من وكالة "أسوشييتد برس" الأميركيّة يرى أنّ مظاهرات اليوم هي أقلّ عدداً من متظاهري سنة 2009، لكنّها أكثر انتشاراً على النطاق الجغرافيّ كما أضاف. لكن يبقى هذا العنصر من التقديرات خاضعاً لمتغيّرات عديدة تجعل الجزم بدقّته أمراً مستحيلاً. وبالرغم من ذلك، أبدى مراقبون آخرون الملاحظات نفسها حول هذا الموضوع كاتبين أنّ أعداد متظاهري اليوم هي بالفعل أقلّ من تلك التي نزلت إلى شوارع #طهران في صيف ذلك العام. الخبير في الشؤون الإيرانيّة ضمن "مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات" بنهام بن تالبلو أيّد هذه الرؤية لكنّه أضاف أنّ "عدد المدن التي انتفضت مذهل – خصوصاً لأنّ هنالك مدناً توقّع النظام أن ينال تأييداً منها". لذلك، كان الأمر "محرجاً حقّاً" بالنسبة إلى المتشدّدين الذين يديرون الحكم بعدما علموا بانتشار المظاهرات في المدن الفقيرة التي كانت من أشدّ داعمي النظام.

الحديث عن المدن الفقيرة ينقل المراقبين إلى تسليط الضوء على عنصر اختلاف واضح بين الاحتجاجين. جوزيفا إيفانكا فيسيلز من مجلّة "ذا كونفرسايشن" الأميركيّة تركّز على الفارق في هويّة الطبقتين الاجتماعيّتين اللتين وقفتا خلف الاحتجاجات الحالية وتلك التي ظهرت منذ تسع سنوات. فقد كتبت أنّه في سنة 2009، أتى معظم المتظاهرين من فئة الشباب المتعلّمة والمنتمية إلى الطبقة الوسطى. لكنّ المظاهرات الحالية بدأت من مدينة مشهد الواقعة في شمال شرق البلاد، والتي تعتبر مدينة محافظة على المستوى الديني. وأضافت أنّ المحتجّين اليوم ينتمون إلى تنوّع أوسع في الانتماءات. إنّ الاختلاف بين الحركتين الاعتراضيّتين هو اختلاف "دراماتيكي" بحسب الكاتب السياسيّ غاي تايلور في صحيفة "ذا واشنطن تايمس". مثل فيسيلز وعدد آخر من المراقبين، يؤكد تايلور أنّ معظم من تظاهروا في ما عُرف ب "الثورة الخضراء" سنة 2009 كانوا من الميسورين وتحديداً من "أبناء النخب السياسيّة الثريّة" في طهران. أمّا مظاهرات اليوم فيقودها "العمّال الفقراء"، وهؤلاء يشكّلون قسماً من المجتمع ليس لديه الكثير ممّا يمكن أن يفقده في مواجهة قمع السلطة كما يرى.

نجوا من رصاص الشاه

لكنّ تايلور ذهب إلى أبعد من مجرّد المقارنة مع مظاهرات 2009. فقد نقل عن مصدر فضّل عدم الكشف عن اسمه قوله إنّ الفئة التي تنزل اليوم إلى الشوارع هي نفسها التي شاركت في الثورة سنة 1979 ضدّ نظام الشاه: "نحن نتحدّث عن ناس نجوا من رصاصات الشاه. لا نعلم كيف سيتصرّف هؤلاء إذا كان هنالك قمع عنيف (من السلطات الإيرانيّة)".

بين شعارات الأمس واليوم

إنّ اختلاف طبيعة الأسباب المباشرة التي أشعلت فتيل المظاهرتين لم يعنِ بالضرورة اختلافاً في طبيعة الشعارات والهتافات التي أطلقها المتظاهرون. ففي سنة 2009، انطلقت "الثورة الخضراء" بناء على إعلان المعارضين عن وجود تلاعب بالأصوات وقف خلفه المتشدّدون من أجل فوز نجاد. لكنّ المظاهرات الحاليّة أتت نتيجة لعمليّات فساد واحتيال ضربت جزءاً من القطاع المصرفيّ إضافة إلى البطالة وانهيار آمال الإيرانيّين الذين وُعدوا بحياة أفضل بعد توقيع الاتفاق النووي. من هنا، لم يؤدِّ الدافع الاقتصاديّ الذي أنتج احتجاجات اليوم إلى اكتفاء المتظاهرين برفع شعارات اقتصاديّة، بل عمد هؤلاء أيضاً إلى إطلاق هتافات سياسيّة تهاجم النظام والمرشد الأعلى، بوتيرة أكبر بكثير من تلك التي شهدتها "الثورة الخضراء" المستندة إلى دوافع سياسيّة في الأصل.

أين القيادة؟

في سنة 2009، وبحسب ما يذكّر كيث في تقريره ضمن "الأسوشييتد برس"، أراد المتظاهرون إلغاء مفاعيل الانتخابات وتنصيب الإصلاحيّ مير حسين موسوي رئيساً لإيران وإجراء إصلاحات من داخل نظام الجمهوريّة الإسلاميّة نفسه. كذلك، يشير إلى أنّ هنالك غياباً لقيادة واحدة تنظّم المتظاهرين وتمثّلهم كما حدث سنة 2009 حين كان موسوي وخاتمي وآخرون هم أبرز قادة الحراك الشعبيّ.

صحيح أنّ هنالك تحرّكاً ل "المجلس الوطنيّ للمقاومة الإيرانيّة" على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المؤتمرات الخارجيّة التي يعقدها، إلّا أنّ تحرّكه ليس خارجاً عن المألوف إذ إنّ قادة هذا المجلس ينشطون طوال الوقت لتأليب صانعي القرار الدوليّ ضدّ النظام الإيرانيّ. ومع ذلك، لم يرَ كثر وجود بصمة واضحة في تحريك المجلس للشارع أو توجيهه حتى الآن.

نقطة التحوّل الأبرز؟

يبقى أيضاً العامل الدوليّ من أبرز العوامل التي يمكن أن تؤدّي دوراً حاسماً في دفع المظاهرات باتّجاه منحى أو آخر. فواشنطن التي كانت متلكّئة بشكل بارز في دعم المتظاهرين سنة 2009، لها موقف مغاير تماماً اليوم مع تولّي الجمهوري دونالد #ترامب الرئاسة الأميركيّة وهو لا يؤيّد الاحتجاجات وحسب بل يلوم سلفه لأنّه لم يدعم المعارضين حين سنحت له الفرصة بذلك. ومع أنّه من غير الواضح إلى الآن التحرّكات الفعليّة التي قد تلجأ إليها الإدارة الحاليّة، تبقى التوجّهات العامّة لسياسات واشنطن الحاليّة نقطة تحوّل بارزة، يمكن أن تكون "الأبرز" في حال سلكت المظاهرات خطّاً تصاعديّاً سريعاً في المرحلة المقبلة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard