2017: المركنتيلية السياسية اللبنانية في قلقها السلمي

29 كانون الأول 2017 | 11:14

المصدر: "النهار"

أراقب (بشيء من التسلية) كيف يعاني اليوم على جهتي ما كان يُسمّى 14 و 8 آذار - ولا زال يحتمل التسمية إذا اعتبرناهما جماعتي إيران والسعودية- كيف يعاني بعض هؤلاء من تغيير وظيفة الكلام وانتقاله من اللغة الحرب أهلوية، السيادجية هنا الوطنجية هناك إلى وظيفة استقرارية، أي أولوية الاستقرار الذي يخفي تحالفات جديدة وطبعا صفقات جديدة. 

يعجبني، وأعترف جدّيا بالجميل، كيف انتقلت اللغة السياسية بين رموز الطبقة السياسية من لغة تحريضية إلى لغة "نبيلة" للوئام. هذا لا شك يريده اللبنانيون في أغلبيتهم الصامتة أو الثرثارة. لكن المشكلة هي في البعض من "وكلاء" الكلام السابقين الذين لا يريدون التكيف الإرادي مع الوضع الجديد.

 اي ثغرة تستعيد هواء الصراع ستتحول إلى أوكسيجين لتجديد التحريض حسب ما يتقنه كل من هؤلاء في تقاليد المعسكر الذي ينتمون إليه وهو المعسكر الذي يشبه حتى إشعار آخر الثكنة المهجورة.

الصراعات لها اقتصادها.

عندما انتهت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوڤياتي ( المنهار سلماً) صناعات ثقافية وسياسية وفنية بكاملها انهارت داخل أميركا أو توقفت. صناعات أفلام وكتب وإذاعات ومؤسسات وأنماط تجسس بل حتى أنماط علاقات سياسية واقتصادية وأحزاب تعطلت في البداية بفعل هذا التحول العالمي ثم اختفت مع الوقت إلا من الأرشيف.

لم نصل إلى هنا في لبنان. فالانقسام الإقليمي في ذروته، وهو انقسام مرجعي ومصالحي للمنسيين اللبنانيين ولغير المنسيين من الذين لا زالوا معتمَدين. لكن شيئا ما تغيّر. لم يغيِّر كل الأدوار ولكن الجميع يعيد التموضع وفاقيا أو صراعيا. مشكلة التموضع الصراعي أنه حاليا يحتاج إلى مخيلة أوسع. كان الأسهل وصار الأصعب إلى أن يتغيّر "الموسم" في نظر هؤلاء المتضررين.

هناك مشاكل تنتظر معسكر الوفاق المحلي فوق الإقليمي عام 2018. منها اختبار إمكان بعض القوى الأساسية في الواجهة أن تواصل تمثيل طائفيتها السياسية دون المتَّكأ التقليدي بل البنيوي للدعم الذي وُلِدت في رحمه: نحتاج طبعا إلى فيلم من أفلام المتخيّلات لنتصور سنيةً سياسية بلا السعودية (وشيعيةً سياسية بلا إيران والنظام السوري). هذا موضوع جدي جدا في مستقبل الحياة السياسية اللبنانية بعيدا الآن عن الكلام الاستقراري الرائج.

ومع أن الانتخابات ستجري في كل الطوائف ما عدا عند الشيعة الذين يمكن من اليوم للقوتين المسيطرتين على طائفيتهم السياسية أن تحدِّدا من الآن من سيأتي نواباً، إسما إسماً، في دوائر أغلبيتهما الطائفية لأسباب واضحة تتعلق بسيطرتهما الأمنية والعسكرية والإدارية والشعبية والمالية... مع ذلك الانتخابات موسم تفككي رائع لدى المسيحيين كالعادة لدى السنة مجددا ولدى الدروز جزئيا لكن "العرس الديموقراطي الشيعي" مؤجل في "الجيل" الحالي.( مع ذلك من المدهش أن الشيعية السياسية الحالية رغم كل قوتها لا تثق بترك الاقتراع في مناطق الإقامة دون تسجيل مسبق. قوة مطلقة وعدم ثقة مطلقة!!).

فَكْفِكْ تَتَدَقْرَط في أزمنة السلم. ونحن فيها كما ثبت دوليا وبمعايير قوية تساهم فيها إيران والسعودية (وإسرائيل ولو مرغَمة أو ربما تريد أن تعطينا هذا الانطباع لأسبابتعبوية بينما لها مصلحة في الاستقرار).

عام 2018 هو عام اختبار الطائفيات السياسية اللبنانية لمتغيرات المنطقة وثوابتها معا. هذه هي العادة لكن هذه المرة ثمة فعلا تحولات عنوانها الأول العودة التدريجية للسلم السوري وتحول سوريا النهائي إلى قاعدة روسية ثابتة وعنوانها الآخر تغيير ديناميكي في نمط الحكم السعودي يبدو وكأنه محاولة تجديد استراتيجي لبنية الدولة.

علينا أن نصدق أننا في زمن سلم في لبنان. حتى حروبنا الأهلية الباردة، وهي جزء من نظامنا السياسي، تتغير إلى وظائف أخرى.

ألحان الكلام المحلي تتغيّر. والقلق المركنتيلي اللبناني، بمعناه السيء و الصحي، يحتاج إلى مخيلة (دقيقة) في اللغة السياسية. ولذلك أقترح على الذين يلاقون صعوبة في التكيف أن .....

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard