حين صارت مقامات الهمذاني علاقات ومعادلات

28 كانون الأول 2017 | 08:25

المصدر: "النهار"

مقامات الهمذاني.

في تسعينات القرن الماضي، ازدهر الإحصاءُ اللغوي منهجًا في استِكناه أدبيَّة النصوص، ومعرفة مكامن الجماليَّة فيها. وقد توسَّل هذا المنهج المُبتكَر بالمعادلات الرياضية واللوغاريتمات يُسلطها، أدواتٍ نافذةً، على الآثار الأدبية مستكشفًا ما انطوت عليه من خفي العلاقات ودقيق التقابلات. وأول الباحثين العرب الذين غامروا باتباع هذا المسلك الإحصائي الصارم والدقيق، الأكاديمي التونسي، العيادي شابير، الأستاذ بمعهد اللغات والحضارات الشرقية بباريس، والذي عَكف حينها على تفكيك الأبنية اللغوية لمقامات بديع الزمان الهمذاني (969-1008)، محولاً صفحاتها إلى ميدان فسيح أطلق فيه العنان للتحليل الرياضي: يَحسب، في أرجائه، توزيع الكَلِم، ويَعُدُّ تواتُرَ جذورها وصيغها الصرفية، ضمنَ مساحة النص، لاستجلاء كيفية انبثاثها.  

وكان الشرط الأول لتطبيق هذا المنهج، الاشتغال على مدونةٍ متقاربة الامتداد النصي، تتساوى أحجام فِقرها وأعداد مكوناتها اللفظية، حتى تكون النِّسب الرياضية المستخلصة والمؤشرات المستفادة متجانسة، تَسهُل صياغتها بلغة الرياضيات الصورية ونظرية العوامل. بيد أنَّ الباحث يواجه متنًا تتفاوت فصوله طولاً، وتتباين أسلوبًا، تلاعَبَ كاتِبها بأساليب الكلام وصيغ القول حدًّا أعيى النقاد. فقد راوحَ، في مقاماته الإحدى والخمسين، بين الشعر والنثر، واستدعى من الذاكرة عيون مواردها، آياتٍ وأبياتا، تضمينًا وإنشاءً، كما تفنن في استعمال المحسنات البديعية، تسجيعًا وجناسًا. وضمن مقاماته، عبثًا بالقارئ، مناظرات في الدين، ومواعظ في الأخلاق، وأحاجيَ شعرية من جنس المعقد، يَظهر جميعها في صيغَة حكاية تحمي الناس من حيل اللصوص والشحاذين، في حين أنَّ اسكندريَّه أمْكرُهم وأدقهم احتيالاً.   

الدكتور عيادي شابير.


وقد سعى أ.د شابير، بتوخيه هذا الضرب المُبتَكر في درس الأدبية، إلى تحقيق ثلاثة أهداف متكاملة: إنجاز مَكنز معجمي شامل، مرتبٍ حسب الحروف الهجائية، يغطي كافة المفردات المستخدمة في نصوص المقامات، ثم صياغة مَكنز تراتبي حسب توارد المفردات، وأخيرًا إحصاء كل الأبنية الكمية في النص. ولا يذهب الظن أنَّ المسألة مجرد تركيمٍ للأعداد والجداول، بل هي صياغة جهازٍ تأويلي مَوثوق وصارم، يساعد على استجلاء أوجه البيان وصور الإبداع في نص المقامات الذي يعد من عيون الفن العربي. وقد جهد الباحث شابير في معالجة وظيفة كل استخدامٍ، مهما كانت صيغته أو جذره أو دلالته. 

وقد كان الأستاذ شابير سبّاقًا إلى الاستئناس بمنهج التناص، وهو يومَها فتيٌّ، في بدايات التنظير له، فأظهر أن المقامات تضمنت آياتٍ من القرآن وحديثيْن، إلى جانب ما يقارب الستين بيتًا، وثلاثمائة أخرى صاغها الهمذاني بنفسه، وقلده في تحبيرها، الحريري واليازجي. على أنَّ الدكتور شابير اجترح في معالجة التناص مسلكا جديدًا، لم يشتهر إلى حد الساعة بين الناس، وهو الأنوماستيك، فرعٌ من فروع الألسنية، يُعنى بدراسة أسماء الأعلام والبلدان، بما هي جزءٌ من مكونات النص ومولدات المعنى فيه، بما تستدعيه تلك الأعلام من المعاني الثواني والرموز الثقافية. فأكد أن المقامات تشمل 191 علمًا، تعاودت ما يقرب على السبع مئة مرة، تؤدي في كل مرة وظيفة رمزية وسردية مختلفة. 

على أنَّ فرادة هذا العمل تكمن في درس جذور اللغة العربية وبيان مدى تواترها وتواردها في المقامات، حيث أحصى فيها 1907 جذرًا ثلاثيا، و81 جذرًا رباعيًا، من مجموع الثمانية آلاف جذر التي يتضمنها لسان العرب لابن منظور.(1232- 1311)، وقد أجهد نفسه في جرد هذه المعطيات الموثوقة من أجل تحليلٍ مدقق للبنية المعجمية، والوقوف على طبيعة الوحدات المعجمية، وitem هي وحدة قَيسها، من أجل التعرف على ضاربٍ رياضي يقاس به مدى الثراء اللغوي لهذه المقامات من حيث تنوع استخدام صيغ الكلام والتصرف في توزيعها ونظمها حَسَب استراتيجيات الخطاب التي ودَّ الهمذاني تحقيقها.

وحتى ندرك أهمية هذا المنجز في الدرس النقدي، لا مناص من التذكير أنَّ وسائل الإحصاء والأدوات المعلوماتية، لم تكن في بداية التسعينات من القرن الماضي قد تطورت بالشكل الذي نعرفه اليوم ولذلك بذل الأكاديمي التونسي آلاف الساعات في إحصاء الكلم، بشكل آلي تماما، من أجل تحديد عدد الأسماء والأفعال والحروف فيها، كاشفًا كل مرة ما في الجذور والاشتقاقات من أفانين الدلالة ولطائف التوليد. وليس الإحصاء والتجريد الرياضي واستخراج الضوارب ضمن "مثال صوري"، مجرد أرقام وبياناتٍ تتالى، بل هي أداة التنصيص على الشعرية بطريقة علمية لا مطعن فيها، وتخفف من ذاتية الانطباعات.

وهكذا لم يكن هذا العمل مجرد تركيمٍ للنسب والأعداد بل هو جمعٌ لطيف وتكامل وظيفي بين ثلاثة علوم، كانت حينها في مبتدأ النشأة، مع ما شهدته من تجريب وحتى تشكيك في نجاعتها، وهي الألسنية والمعلوماتية والإحصاء اللغوي، فلمَّ أ.د شابير شملها وجَمَع نَثارها، وطبقها على أحد أعتى النصوص العربية وأمكرها في تصوير خبايا المجتمع البغدادي في القرن العاشر للميلاد.

وبفضل هذا المنهج استحالَ نص بديع الزمان نِسبًا عميقة وعلاقات ومسافاتٍ وكلمات يعبث بها الكاتبُ، وراويه عيسى بن هشام، وبطله أبو الفتح الإسكندري في تناسبٍ رائع: الراوي يصوغ حكاياتٍ على مسامع جمهوره، فيعمرها صورًا وأوزانًا متناسبة في تناسب كيمياء السعادة. والبطل المحتال يَذرع الأرض طولاً وعرضًا، لا يتقدم إلا بعد أن يضربَ أخماسًا في أسداسٍ ليوقع الناس في فخاخه. والهمذاني يوازن بين الكلمات، ويناور الأسجاع لخلق التعادل بين شحنها وأصدائها. والأكاديمي العيادي شابير، من ورائهم جميعًا، يكشف ألاعيب هذا وتفنن ذاكَ، ويحيلُ حِيَلهم، التي حكمت بنية الحكايات، إلى علاقاتٍ وعلاماتٍ، يُخضع جميعها إلى منطق الإحصاء الذي لا يكذب، ولا تنطلي عليه الحيل.  

ويؤكد هذا العمل الطليعي أن الباحثين العرب لم يكتفوا بالتطبيق الحرفي للمناهج الغربية واستنساخها، - كما يُتهمون غالبًا- بل هم الذين جَرَّبوها، فحكموا على نجاعتها من عدمها. ولذلك أكد الباحث، في نهاية عمله، إلى أنَّ العرض الموسع لهذه القرائن ونسبها لن تكون له من فائدة إلا إذا طبق على آثار أدبية أخرى تشمل كافة العصور والحقب والفضاءات الثقافية وإلا فإنها ستظل مجرد عملٍ توثيقي يثير من الأسئلة أكثر مما يحمل من الإجابات. ونحن لا نُبعد إنْ ربطنا أزمة النقد العربي المعاصر، واقتصار بعضه على مجرد كلام مضموني، بعدم الاستفادة من هذا المنهج الذي يخفض من تدخل الذاتية في التأويل، ويخضع الأدبية إلى مقاييس العلم الصارمة، فتتحول الجمالية إلى معادلات، رواؤها في تناسب أجزائها وانتظامها معادلة رياضيةً رائقة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard