جثة في الجبل وطفلٌ قضى بسبب الصقيع... فاجعة من ظلام وجليد وقهر

25 كانون الأول 2017 | 18:14

المصدر: "النهار"

طفلتان ناجيتان (تصوير دانيال خياط).

أحمد عبد الرحمن السلوم الطفل الذي لم يبلغ السنتين والنصف من عمره، عبد العزيز عدنان الدويدي 56 سنة، ضحيتان جديدتان لمعابر التهريب الجبلية بين لبنان وسوريا في محلة المصنع.  

فقد عثر على عبد العزيز، جثة في الجبل، ونقلت جثته الى مستشفى الياس هراوي الحكومي، وكل ما يعرف عنه ان رقم قيده 183 الكسوة، وبأنه قضى في الجبل خلال محاولته دخول لبنان.

اما الطفل أحمد فقد قضى بسبب الصقيع، فيما أنقذت شقيقتاه حياة 7 سنوات ورنيم 6 سنوات في اللحظة الاخيرة من المصير نفسه، ونقلتا الى المستشفى ليلا، حيث التحقت بهما والدتهما دلال 25 سنة في اليوم التالي.

الدخول خلسة

العائلة الصغيرة لعبد الرحمن السلوم، كانت تحاول الدخول خلسة الى لبنان، للم شملها في لبنان الذي يقيم فيه الوالد منذ 3 سنوات بطريقة شرعية. بالكرنك حضرت العائلة من ريف إدلب، ولم يكن الوالد راغبا في ان تدخل عائلته خلسة الى لبنان، فهو يتمتع باقامة شرعية وعنده كفيل، على ما يؤكد، وكان يسعى لأن يرتب أوراق عائلته لتدخل بطريقة شرعية الى لبنان، الا انه وبحسب رواية شقيق دلال فقد أقنعها سائق الكرنك بأنه قادر على ادخالها بطريقة شرعية إنما أسرع الى لبنان، ولقاء 200 دولار وصلت العائلة مع ركاب الكرنك الى مقربة من نقطة المصنع، فوق الامن العام، وهناك ترجلت وجرى تسليمها لأحد المهربين الذي قادهم في احد اصعب المسالك الجبلية فوق عنجر، وسط العاصفة التي هبت ليلا، يحثهم "الراعي"، بقسوة على المسير رغم شكاوى الاطفال من البرد.

 وكالعادة عندما لاحت للراعي دورية للجيش هرب وترك الناس لمصيرها. ليتلقى عبد الرحمن اتصالاً فجراً يفيده بأن طفله الذي رآه في المرة الاخيرة رضيعاً، قد قضى متجمداً، وان ابنتيه في المستشفى ووالدتهم في الامن العام.

حكايا ومعاناة

لجبلي المصنع والصويري حكايا مع معاناة السوريين الذين يحاولون العبور من لبنان واليه خلسة، محاولين تفادي المرور بالأمن العام اللبناني، إما لعدم إستيفائهم المعايير المعمول بها للسماح للسوريين دخول الأراضي اللبنانية في محاولة القرار السياسي اللبناني الحد من تدفق السوريين الى لبنان، وإما لأنهم لم يسددوا رسوم إقامتهم وبات وضعهم غير شرعي، وإما لأنهم ممنوعون من الدخول لتوقيفهم سابقاً لدى محاولتهم دخول لبنان او مغادرته خلسة.

 وبالتالي فان القرار السياسي لم يؤد بالضرورة مبتغاه، بل فتح طرقات التهريب على مصراعيها، بين غض طرف تارة بحيث يمكن رؤية بام العين مواكب من السوريين ينتقلون بوضح النهار جهة الصويري، وهي الأسهل للسلوك على الاقدام، وبالتشدد طوراً بالدوريات على المسالك المعروفة، فينتقل نشاط المهربين الى الليل، وعلى المسالك الاصعب كجبل المصنع، بين كر وفر مع دوريات الجيش.

واقع مرهق

هذا الواقع يرهق الجيش اللبناني، الذي يستنفذ جهود عديده، والذي يجد نفسه مضطراً للتعامل مع عشرات المدنيين نساء، وبينهن حوامل، وأطفال وشيوخ ورجال ومرضى، مدنيون مرهقون من مسيرهم في الجبال، خائفون جائعون وعطشى، ونقلهم على دفعات الى المخافر. لترزح مخافر قوى الأمن الداخلي تحت وطأة الأعداد التي لا يتسع لها المكان، وعناصرها تحت وطأة العمل المكتبي في فتح محاضر لعشرات الاشخاص، الذين سيخلى سبيلهم في النهاية على الاراضي اللبنانية، في ظل وقف العمل بنظام الترحيل نظرا للأوضاع في سوريا بين النظام ومعارضيه، مع شرط ان يصححوا أوضاع اقامتهم في لبنان في غضون شهر، الامر الذي لن يحصل بطبيعة الحال، ليعود ويتم توقيف بعضهم على الطرقات او خلال المداهمات ويتكرر اخلاء سبيلهم في لبنان.

تدور القضية في حلقة مفرغة، المستفيد منها فقط المهربون وموظفوهم، فيما الضحايا هم السوريون أنفسهم يقاسون كل أنواع الشقاء، من مسيرهم في الجبل، مع مخاطر تعرضهم لشتى أنواع الاعتداءات والاستغلال من قبل المهربين وموظفيهم، الى التوقيف وظروفه المجحفة، والانتقال بين اماكن التوقيف وحشرهم فيها.

 الحل ليس أمنياً

ليس حل قضية تهريب البشر، ولاسيما تهريب السوريين امنيا فحسب، على ما يقول العاملون في الامن. بل باعادة النظر في آلية انتقال السوريين من لبنان واليه، الذي هو حاجة لهم والدليل النشاط غير المنقطع للدخول والخروج خلسة، والحل أيضا قضائي بالتشدد في العقوبات على المهربين، لتكون العقوبة رادعة لهم ولكل من يغريه جني الاموال عن طريق التهريب من جهة، وحتى لا تذهب جهود القوى الامنية بتوقيف المهربين هباء من جهة ثانية.

ان الحديث عن موضوع حاجة السوريين الى التنقل بين لبنان وسوريا، واقامتهم في لبنان، وما يوازيهما وينتج عنهما من نشاط التهريب واسبابه وتبعاته من توقيف المنتقلين خلسة، يطول وهو اكثر تعقيدا من مقال، ويحتاج هذا الملف المتشعب والمعقد الى تضافر جهود الدولة اللبنانية والامم المتحدة وابعاده عن السياسة، بما فيه خير الانسان السوري وحفظ كرامته ومصلحة لبنان واستقراره. يسهل انتقاد السوريين لدخولهم خلسة الى لبنان وخروجهم منه، ولكن من يعرف صعوبة مسالك التهريب ومخاطرها ومذلتها سيدرك ان احداً لن يختارها لولا ظروفا قاهرة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard