2017: ترامب قلب العالم... "أميركا أوّلا"

19 كانون الأول 2017 | 16:05

المصدر: أ ف ب

  • المصدر: أ ف ب

أ ب

دفاعاً عن شعار "اميركا أولاً" الانعزالي، قلب #دونالد_ترامب العالم سنة 2017 باتخاذ قرارات هزت أسس النظام العالمي متعدد الأطراف، من دون أن ينزع فتيل العديد من القنابل الموقوتة. وفي نهاية السنة الأولى من حكمه، تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها الذين هزتهم صدمة السياسة الجديدة أزمات  عدة متصاعدة قد تغرق العالم في نزاعات جديدة مدمرة. 

عندما تولى ترامب منصبه في كانون الثاني، قال سلفه باراك أوباما إن التهديد الأخطر يتمثل في مساعي كوريا الشمالية المحمومة الى تطوير صواريخ بعيدة المدى مزودة رؤوسا نووية. والآن، في نهاية سنة 2017، يبدو هذا التهديد أخطر من ذي قبل بعدما اجرى كيم جونغ-أون الشهر الماضي تجربة صاروخ عابر للقارات، متفاخرا بأنه بات اليوم قادراً على ضرب أي مدينة أميركية برأس نووي. 

وأجج ترامب بنفسه التوتر باستخدام لغة مستفزة، بدءا من التهكم على كيم وتسميته "رجل الصواريخ الصغير" والتهديد بصب "النار والغضب" على نظامه. وفي موازاة هذا النزال، عملت الديبلوماسية الأميركية على تشديد العقوبات الدولية على كوريا الشمالية بهدف اعادة بيونغ يانغ الى طاولة المفاوضات، لكن من دون تحقيق نجاح حتى الآن. 

وتواجه كوريا الجنوبية واليابان، وكلاهما في مرمى نيران كوريا الشمالية، ما ينذر بأن يتحول نزاعا وخيما، في حين تخشى الصين من اندلاع الفوضى على حدودها.

وللمرة الاولى ربما، لا يخشى العالم التصرفات المتهورة لديكتاتور كوريا الشمالية، بل الإشارات غير المتوقعة الصادرة عن سيد البيت الأبيض.

ويقول بول ستيرز، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية: "قبل الرئيس ترامب، اعتقد انه كان هناك على الدوام اتساق في السياسة الأميركية وأفضليات، مع بعض الاستثناءات (...) لكن سلوك الرئيس ترامب، وحالة التقلب التي تعتري عملية اتخاذ القرار، واطلاق التغريدات والسلوك الاندفاعي كما يظهر، قض مضاجع العديد من العواصم".

لقد ورد اندلاع حرب أميركية مع كوريا الشمالية وإيران على رأس التهديدات العالمية في التقرير السنوي بعنوان: "النزاعات العالمية قيد الرصد"، الذي أعده مجلس العلاقات الخارجية، بعد إجراء مقابلات مع 436 مسؤولاً حكوميا وخبيراً خارجياً. ويقول ستيرز، معد التقرير، إن هذين الأمرين يطرحان مخاوف على نطاق واسع. ويضيف: "يصعب تحديد إذا كان الأمر مجرد وعيد ويندرج في اطار سياسة حافة الهاوية، أم أنه تصميم حقيقي على استخدام القوة،" مشيراً إلى مخاوف من اندلاع نزاعات مع كوريا الشمالية وإيران وحتى مع روسيا.

وفي ما يتعلق بتوقعات سنة 2018، لا يعتقد "أن أحداً على يقين بأنها ستمر من دون أن تشهد أزمة خطيرة". 

لقد تعامل ترامب باستخفاف مع استراتيجية فرض عقوبات على كوريا الشمالية، وذهب الى حد القول لوزير الخارجية ريكس تيلرسون انه "يضيع وقته" في مواصلة الاتصالات الديبلوماسية. لكن التهديد بعمل عسكري استباقي ظل ماثلا، حتى لو أقر العديد من الخبراء - وبعض المسؤولين في جلسات خاصة - بأنه لا يمكن أن يحدث، لأنه ينطوي على مجازفات خطيرة. 

ومع نصب مدفعية كوريا الشمالية على بعد بضعة أميال من سيول، وتحذير بيونغ يانغ من اضرام النار في القاعدة الأميركية في جزيرة غوام، يتراجع احتمال شن عمل عسكري. لكن المسار الديبلوماسي طريق ضيق، وكيم لم يظهر حماسة له، مع تأكيده انه يخطط ليصبح أكبر قوة نووية في العالم. 

وتبدو سياسة حافة الهاوية التي ينتهجها ترامب غير مفيدة هنا، في حين يهدد التوتر مع ايران بفتح جبهة جديدة من الحروب المتعددة التي لا تزال مستعرة في الشرق الأوسط.

هذا التوتر أججه غضب ترامب على الاتفاق النووي مع ايران، والذي وقعته ادارة اوباما إلى جانب بريطانيا والصين وفرنسا والمانيا وروسيا. وعندما قال ترامب ان الاتفاق النووي مع ايران لم يعد يخدم المصالح الأميركية، ارسل رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس تغريدة كتب فيها: "لقد عثرت سياسة ترامب الخارجية على موضوع: عقيدة الانسحاب". 

 حينها قالت بربارة سلافين من المجلس الأطلسي ان "ترامب عاجز عن الفهم ان الولايات المتحدة تكون الأقوى عندما تقود اي اتفاق دولي وتصوغه".

إلى جانب قرار ترامب بالانسحاب من اتفاق باريس للتغير المناخي، فإن الجدل بشأن الاتفاق النووي مع ايران عبّر في الشكل الأمثل عن القطيعة بين شعار "أميركا أولاً" والديبلوماسية متعددة الأطراف.

ومنذ أسابيعه الأولى في الحكم، شنّ ترامب حملة ضد حلفاء أميركا التقليديين، متهما اياهم باستغلال أميركا للدفاع عنهم. ولو حقق ترامب خطته في تحسين العلاقات بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأثارت علاقاته الباردة والشائكة مع أوروبا قدراً اقل من القلق. 

لكن العلاقات التي كانت صعبة مع موسكو منذ عهد اوباما، ساءت بعدما اتهمت الاستخبارات الأميركية روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية. في المقابل، ابدى ترامب قدرا أكبر من الاحترام لرجال اقوياء، مثل الرئيس الصيني شي جينبينغ، والمصري عبد الفتاح السيسي، والتركي رجب طيب اردوغان، مما ابداه ازاء حلفاء أميركا التقليديين. فقد هاجم ترامب رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، والمستشارة الألمانية انغيلا ميركل على "توتير"، واتهمهما بالتقاعس في محاربة التطرف الإسلامي. 

وبعد التخلي عن معاهدة التبادل التجاري مع آسيا والمحيط الهادىء التي كان يراد لها أن تضمن دخول دول شرق آسيوية صغيرة في دائرة النفوذ الأميركي لاحتواء الصين، ها هو الآن يهدد اتفاق "نافتا" مع كندا والمكسيك. الاسبوع الماضي، حذر وزير الخارجية الألماني سيغمار غابريال من أن تخلي ترامب عن دور أميركا الريادي "يؤدي إلى تسريع حدوث تغيير في النظام العالمي"، وأن على أوروبا أن تلتفت الى شؤونها. 

كان ذلك قبل أن يقطع ترامب مع عقود من سياسة السلام الأميركية، ويعترف بالقدس المقسمة والمتنازع عليها عاصمة لإسرائيل. لقد اثار القرار غضب قادة العالم العربي ازاء ما اعتبروه استهتارا أرعن بالقضية الفلسطينية. لكن الإدانة كانت عامة ودولية، وحتى على مستوى العالم كله. 

وترى سيليا بيلين، الباحثة في معهد بروكنغز، ان القاسم المشترك بين أكثر مواقف ترامب الانعزالية هو أنها تمثل إشارات لنيل رضا الناخبين والمانحين. وهذا ينطبق على قراراته الثلاثة المحملة بالتبعات القوية في ما يتعلق بالتغير المناخي وإيران والقدس.

وبالفعل، ففي خطاب الاثنين لعرض استراتيجيته للأمن القومي، قال ترامب إن "أميركا تعود، وأميركا تعود قوية". إنها رسالة موجهة بوضوح إلى قاعدته الانتخابية.

وتقول بيلين ان ترامب "يطبق أسوأ ما يمكن أن نخشاه في مجال السياسة 'الترامبية' مع الانسحاب من الساحة متعددة الاطراف". مع ذلك، توضح أن ترامب نفذ وعودا قطعها لجزء من قاعدته الانتخابية، من دون أن يلزم واشنطن حقا باي شيء جديد على المدى البعيد، أو باي شيء "لا يمكن اصلاحه". وتقول: "إن شعور حلفاء الولايات المتحدة وأعدائها بان عليهم أن يردوا على الايماءات الداخلية لترامب يطرح مخاطر: المشكلة تأتي في أكثر الأحيان من رد فعل خارجي مبالغ به".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard