سِروال المُحاضِر ولا بدّ من كسر باب القصر

14 كانون الأول 2017 | 14:14

المصدر: "النهار"

محاضرة (تعبيرية عن الانترنت).

سَيُلقي المُحاضرةَ في السادسة مساءً. استفاق المحاضِر من قيلولة خفيفة، اضْطُرَّ لأخذها حتى يستريح، ولو لدقائق، من آثار فارق التوقيت، بين العاصمة والجزيرة النائية، بعد رحلة إليها مُضنيةٍ، استغرقت أكثر من عشر ساعات متتالية. أحسَّ بشيءٍ من النشاط والخفة، وتمايلت أمامه الأفكار، تنساق جذلى لصياغاته. توجَّه إلى بيت الاستحمام ليأخذ دشًا سريعًا، يزيل به ما تبقى من إرهاق السفر، ويستعيد به بعض نضارة غائرة. عاد بعدها إلى غرفة النوم حيث وضع حقيبتَه، فوجدَ باب الغرفة مُغلقًا من الداخل. في البداية، لم يدرك ما حصل. ولكنه سرعان ما سمع مُواء "جَلَبي"، قطِّ صاحب البيت، الذي اقترح عليه أن يقيم به أثناء مُؤتمره. فحسب افتراضه الأولي، فقد دَلفَ القطُّ إلى الغرفة، واحتَكَّ بالباب، فانغلق هذا الأخير بِفعل تَمطِّيه، في حين كان المفتاح داخل القفل. حاول المُحاضر التحايل على المِقبض لتحريكه، وأعاد الكرة ثلاثًا، لكن من دون جدوى.  

حافظ المُحاضِر على برودة أعصابه وألزم نفسه الهدوءَ، بيد أنَّ أفكاره بدأت تتباعد وتتفكك. اتَّجه إلى المطبخ يبحث عن سكين حادٍّ، أو مفك للبراغي. كل شيء مرتب في مكانه بعناية فائقة. لميجد سوى آلة ناتئة، شكلها بين السكِّين والمِلعقة، يبدو أنها تستخدم في تنظيف الأناناس من بزوره اليابسة. عالجبه اقفلَ الباب، ولكنَّ هذا الأخير حملق في المُحاضر شامتًا، يَسخر من ذُعره، ومن بَطنه العَريان، ومن أفكاره التي بدأت تتمرد على صياغاتِها. ومع ذلك، لم يذعن، حاول مرات عدة ولم يفلح. بدأت أعصابه تتوتر، إذ لم يبق على موعد المحاضرة إلا أربعون دقيقة، بما فيها مسافة الطريق.

وفي لحظة، خطر له أن يغلِّفَ أداة الأناناس الغامضة بصابون الحمام، علَّ صفيحتها تصبح أكثر لزاجة. ازداد القفل تمنعًا، وأمعن في الشماتة، فتراءى في هيئة رجل بَدين، ملقى على أريكة تحت الشمسية، يَلْعَق قطعة مثلجاتٍ في بلاهةٍ وشرهٍ. أراد وَقتها أن يهجم على الباب بشراسة، وأن يكسرَه والقفلَ انتقامًا لشرفه. هو عريان تمامًا، ومن عشر دقائق. ولكن منعتهبقية حياء شرقي إزاء صاحب البيت، الذي يأويه أيام إقامته. فهو مدين له بتوفير كراء غرفة فندق، في أيام الموسم السياحي، وقد اشتعلت النار في أسعارها.

وبحركة يائسة، دَلف إلى غرفة نوم المُضيف، وكالمختلس، توجه إلى دولاب ملابسه. اللعنة. صاحبُ البَيت مَرَضي الترتيب، مهووس بالنظام. تصميم شقته، كمَرافِق المطبخ، متسق كساعة سويسرية. كل أداة في محلها، ولا أثر للصدفة أو الإهمال. نظر إلى سراويله المعلقة، وبجانبها القُمصان النظيفة مصفوفةً مثل كَتيبة جيشٍ صينيَّة. أخذ منها أول سروال صادَفه وأسرع به إلى الصالون حيث ترك فيه قميصَه وجاكيتَه، معلقيْن على الكرسي، بعد أن كواهما على المكتب. ارتَداهما على عجلٍ، وأعاد نفس السروال الداخلي، ثم أسقط بنطلون صاحب البيت. كان قصيرًا جدًا، في مثل قامة صديقه القصيرة. استدرك أنه من الطبيعي أن يكون السروال على مقاس صاحبه. ولم تنغلق الأزرارُ الوسطى إلا بشق الأنفس، في حين رفض الزرُّ الأعلى الانصياع، بسبب الكرش المندلق.

عاد المحاضر للدوران بين ردهة الشقة وغرفها، يحاول فتح القفل اللعين تارة، ويلاطف الزر المتمردَ تارةً أخرى. ما أقبحهذه السراويل: قصيرة، ضيقة، ألوانها من موضة الستينات. واستدركَ ثانيا أنه طبيعي أن تكون كذلك، فصديقه نحيف، يقصره بعشرين سنتيمترًا، في الستينات من عمره.

حلّت الساعة السادسة مساءً. ودخل الصديق في الموعد المحدد، لم يتأخر عنه لحظة واحدةً. سيرافقه بسيارته القديمة إلى قاعة المحاضرات. بعجالة، قصَّ عليه مشكلته وترجاه أن يجد حلاً للباب، مع إبداء خالص الثناء على "جلبي"، قِطه الوديع الذي أطبق الباب، دون قصدٍ منه. وسيبقى أجمل قط في العالم، ومن ألطف وأوفى ما بَرَأَ الله في الجزيرة... وغيرها من عبارات المجاملة يستدر بها شفقته، ويشجعه على كسر المقبض أو دفع الباب بقوة.

هيهات. ظل صاحب البيت رتيبَ الصوت، لا يرف له طرفٌ. وقد تند منه ابتسامة. ثم حاول، بِرفقٍ، إدارة المقبض باستعمال مفك براغي الذي أخرجه بأناقة وبطء من علبة أدواتٍ، تزري نظافتها بقميصه الأبيض المَكوي. باء مسعاه الحميد بنفس المصير البائس. وكلُّ ما قَدَر عليه، اقتراحُ ربطةِ عنقٍ، أقبح من سرواله القصير. وضعها المحاضر على مضضٍ، فَتَدَلت على بطنه، ملتويةً شامتةً هي الأخرى.

 بدأ الوقت يدهم الصديقيْن. وفجأةً، ابتسم صاحب البيت، ولمعت عيناه كمن فك ألغاز الشرق بأسرها. سيهاتف رفيقَه نعيم، المدعو بدوره إلى المحاضرة، وبما أنه أطول منه قامةً...قليلاً، سيأتي بسرواله إلى قصر البلدية مباشرة، حتى يربحوا دقائق ثمينة.

 عاد إلى المحاضر بعضُ أملٍ. وسُرَّ المُضيف بسلامة بابه، وبِمُواء جلبي الذي ما إن سمع صوت صاحبه حتى نطَّ من نافذة الغرفة، وعاد إلى المطبخ من كوةٍ عالية. انطلقا نحوقاعة المحاضرات بالقصر البلدي في سرعة البرق. الموعدُ مهم، دُعي إليه رئيس البلدية مع مساعديه وأعضاء مجلسه الموقر، فضلاً عن الساسة وقادة الأحزاب والمثقفين وكوكبة منرجال الدين وكبار التجار الأثرياء.

 كان نعيم ينتظرهما بكيس بلاستيكي بالٍ، أخفى فيه سروالَه الأوسع. سلم عليه المحاضر بسرعة، وجرى بالكيس نحو الحمام، أي حَمَّام. ما من لافتة تشير إليه. طاف بطبقات البلدية وردهاتها الفسيحة حتى وجد حمامًا ضيق المساحة. ولجه بحذر، ونزع البنطلون الأول بشق الأنفس، وأرسل الثاني بحنقٍ، ولكنه لم ينغلق هو الآخر، وظل أسفلُ البطن مشرفًا، تزيد من تدلقه ربطة العنق اللعينة التي سالت كخيط دقيقٍ لامع. جمع طرفي الجاكيتة ليخفي هذا المنظر البشع. وعاد إلى القاعة يهرولنحو مقعده الوثير، في الصدارة. واجَهه جمهورٌ عريض، لا يدري ما الذي جمع بين أشتاته، ولم حضروا.

 دقت الساعة السادسة والنصف تحديدًا. انطلقَ المقدم يقرأ خطابًا، يسرد فيه السيرة الذاتية للمحاضر. وتحول هو الآخر إلى محاضر، يعلق على كل تفصيل، ويستعيد بإطنابٍ تواريخ مملة، واستمر في هراء أكثر من عشرين دقيقة. تململ الحضور، وانزعج رئيس البلدية، عدا المحاضر الذي كان منشغلاً بفك الزر الأعلى للسروال الضيق، يجهد لتخفيف الشد على بطنه المنتفخ. وأخيرًا، تسلم المصدحَ وراح يستعرض تطور العلاقات الثقافية بين العاصمة والجزيرة النائية. أكمل محاضرته بعد عشرين دقيقة بالكاد. فرَّت الأفكار من صياغاتها جميعًا. ولم يطرح أي أحد أيَّ سؤالٍ. خرج الجميع مبتهجين، ولكن على عجل. وأقبل عامِلا نظافة أو صيانة لإطفاء الأضواء، وإعادة الكراسي إلى أماكنها. ثم أغلقا باب القاعة الكبير وراحا. سُمِعَ مُواء جَلبي من داخلها. لا بد من كسر باب القصر.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard