جبران تويني مُكثَّفاً بعزيمة الوصول المُستَحق

12 كانون الأول 2017 | 08:12

المصدر: "النهار"

ترتفع الصورة في جوار شجرة الميلاد، بملامحها الحقيقية وشرارة العينين اللامعتين. كلّ هذه الأعوام تمرّ بقسوتها وثقل الفقد في الضمير المُطلق. نحاول تقطيب الجرح، نزع الألم من حوله، وإبقاءه في نُبل سكينته. 12 عاماً على الإخفاق في المحاولة، ليس لأنّ جبران تويني عصيّ على العبور الجميل من الجسد المقتول إلى الروح الحيّة، بل لأنّه متمدّد، مُنتشر، مُتراكم، مُلتهِب في الوجدان والعقل وصدق الأعماق. 

يتغيّر كثيراً هذا الزمن، ويؤلمنا بتخبّطاته. لم نعد كما تركتَنَا، لكننا نتطلّع لنكون كما حلمت، بقيود مكسورة. نشاء أن نرمق العالم المخيف بجرأة، ألا يحطّمنا بكثافة ليله ومخاض الانتظار. نشاء الانطلاق رغم الاختناق، والقفز بأقدام تنتصر على الوهن. نتحلّى بحضورك حين يختفي كلّ حضور، ومكانك حين تتقلّص الأمكنة وتفرغ الأرجاء. لا نزال نصدّق أنّ الموتى يغادرون بأجسادهم ويتكثّفون بالصميم، بالضوء، بالبريق، بالنهوض، والإبداع. هم الصور بتحوّلها من الصمت والذكرى إلى الوعي الكلّي الناطق بالحُسن والمعنى. معاني الحياة القليلة بعد جفاف الدمع.

شجرة الميلاد باللونين الفضّي والأزرق، تزيّنها الصورة الباسمة على الجدار، تشهد سيرورة الحياة في اعتبارها قيامة متفوّقة من الموت. المفترق قاسٍ، نتحمّله لأن الأعماق مُتشرّبة بالحبّ، حقيقية تجاه الرجل وضميره وقلمه، و"النهار" اختزال جمالي لقهر الهزيمة بالاصرار، والقتل بالأبد البديع الحرّ المُحلّق في الفضاءات المضيئة.

لكلّ زمن إخفاق ونجاح، ونعلم أنّك لم تُردنا يوماً في وضعيات خنوع مُدمِّرة. يؤلمنا انهيار كلّ شيء: الإنسان، الحقّ، العطف، الدفء، وكلّيات العقل. الزمن مجنون بالتوحُّش والخراب والفجيعة، فبمَ نتمسّك؟ الضلال من حولنا، الالتباس، الأكذوبة، فنتشبّث بالنجاة، ونكون أفراداً ومؤسسة، أحراراً بالرأي والنقد والبناء. فلا نتردّد في النقاش والاعتراض والتحطيم ثم الانطلاق الأجمل، خارج الأقفاص والتشابُه والنمط والتركيبة المتكاسلة.

الذكرى للعبرة والتحلّي بقوّة الموقف. بكينا كثيراً وليت الدمع يعيد الأحباء. احترق القلب، لم يبلسمه زمنٌ ولم تشفه أيام. جبران تويني ليس من فئةٍ تدركها بالحواس فحسب، بل بالشعور والانتماء والوفاء. أنتَ الحضور في كلّ حينٍ، كلّما اختبرنا التقدُّم ونجحنا، قرّرنا ونفّذنا، انطلقنا من دون أن نرضى أقلّ من الوصول المُستَحق.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard