المطران عوده في ذكرى استشهاد جبران تويني: نصلّي ليكون الميلاد مناسبة للسلام (صور وفيديو)

10 كانون الأول 2017 | 11:03

تحلّ الذكرى الثانية عشرة لاستشهاد #جبران_تويني، فأقيم في المناسبة قدّاس وجنّاز في كاتدرائية القدّيس جاورجيوس للروم الأرثوذكس– ساحة النجمة، ترأسه المطران الياس عوده. 

وقال عوده في كلمته: "طالَعَنا الرئيسُ الأميركي مؤخّرًا بقرارِ نَــقْــلِ سفارةِ بلادِه إلى القدس وجَــعْلِ القدس عاصمةً لكيانٍ لا نعترف به أصلاً، ونعتبره عدوًّا على الصعيد الوطنيّ. لقد كانت القدس، وستبقى، في وعيِنا المسيحيّ الكنسيّ، مدينة السلام "أورشليم"، المدينة التي وطِـــئَـــتْها قدما سيّدنا الربّ يسوع المسيح منذ طفولــتِه، وكان يزورها كلَّ سنةٍ في عيد الفصح مع والدته مريم ويوسف، والتي صلّى في أروقة هيكلها وبشَّرَ فيها وبذَلَ فيها ذاتَــهُذبيحةً عن الإنسانيَّةِ لكي يُخلِّصَها. كيف لهذه المدينة أن تفقُـــدَ هويتَها العربيَّةوتصبحَ مكانًا يشهد على اضطهادٍ وسَحقٍ للمؤمنين بالله؟".


وتابع: "كثيرون تغنَّوا بالقدس، وكتبوا أشعارًا وقصائدَ، معدّدين ما تجمعه هذه المدينة المقدّسة من ميزات. ليس عبثًا أنّها سُمّيت "زهرة المدائن"، إذ إنّها زهرةُ سلامٍ بيضاء تجمعُ بين حناياها الإخوةَ في الله مسيحيين ومسلمين، لأنّه ليس هناك أُخُـــوَّةٌ حقيقيةٌ إلاَّ بالله. إنّها المكان الذي نتوق جميعًا إلى زيارته والسيرِ في طريق الجلجلة التي خَطاها الربّ والتبرُّكِ من القبر المقدس ومن كنيسة القيامة وموضع الصعود وقبر والدة الإله وغيرها من أماكن الحجّ المسيحيَّة والإسلاميَّةالتي حالف آباءَنا الحظّ بأن يزوروها بينما نحن محرومون من ذلك. لا بدّ لنا اليوم، في ظلّ هذه السحابة السوداء المحيطة بمنطقتنا العربيّة عمومًا، وبقدسنا العربيّة خصوصًا، من أن نرفع الدّعاء والصلاة، إلى طفل مغارة بيت لحم، الذي نتهيّأ للإحتفال بذكرى تجسّده الإلهي، لكي يحلَّ النورُ مكان الظلام وشمسُ العدل مكانَ الغمام، فيكون ميلادُ الربّ ميلادًا للسلام في كلّ المنطقة وفي العالم أجمع".

وعن الشهيد جبران، قال: "نصلّي اليوم من أجل راحة نفسه لم يسعَ يوماً إلى إرضاء الناس، بل إلى إرضاء ربّـه وضميره. وإلاّ لكان داهنَ ومالقَ وسايرَ وما انتقدَ خطأً أو رفضَ ظلماً أو ساندَ ضعيفاً ومحتاجاً. ولما كان وقف في وجه كل من أراد أن يؤذي وطنَه ويستبيحَ حريتَــه أو كرامةَ أبنائه. كان يحلمُ بوطنٍ موحّـدٍ، حر، مستقل، مزدهر، ديمقراطي، تسوده العدالة، وطنٍ يستحقه أبناؤه أمثال جبران الذين يتمتعون بالذكاء والطموح والكرامة والعنفوان. هل كان حلمُـه هذا مستحيلاً؟ طبعاً لا. بل حلمُ جبران هو واقعٌ في الدول المتقدّمة والراقية. أليس الوطنُ في تحديده هو ملاذُ المواطن ومسكنه، يجدُ فيه أبناؤه الأمانَ والإستقرارَ والسكونَ والراحةَ النفسية إذ يُـعامَـلُ الجميعُ بالتساوي، ويكون الحكّـامُ في خدمةِ الشعب، ويكونُ الشعب كلّه للوطن لا لغيره،ويعلو الحقُ على كل ما سواه، وتطبَّـق القوانين على الجميع دون تفرقة، ويقوم الجميعُ بواجباتهم ويحصلُ الجميعُ على حقوقهمإلى أيةِ طائفةٍ أو حزبٍ أو جهةٍ انتموا فلا يَستَجْدون حقاً أو وظيفةً أو مركزاً أو رخصةً لمؤسسةٍ جامعيةٍمستوفاةٍ جميعَ الشروط، لأنّ القوانين تحكم لا المصالح، والكفاءةُ هي ممرُّ العبور الوحيد.هل هذه يوتوبيا أم أنها حقيقةٌ في كل بلدٍ يحترم نفسه ومواطنيه؟".

وأضاف: "كان جبران يحلم بوطن يعيش فيه مع مواطنيه بحرية ومحبة وأخـوّة وطمأنينة. وما زلنا، بعد إثنتي عشرة سنة من اغتياله، نحلم بهذا الوطن. نحلم بوطن تسوده العدالة. نحلم بوطن تطبَّـق فيه القوانين. نحلم بوطن لا يستقوي فيه مواطنٌ مهما علا شأنه على الآخر، ولا يظلم رئيسٌ مرؤوساً، ولا يُقدَّم فيه أتباعُ الأحزاب على غيرهم بل يحظى الجميعُ بفرصٍ متكافئة. نحلم بوطن لا فسادَ يتغلغل في نفوس أبنائه وحكامهم، ولا كيديةَ تحكم تصرّفاتهم، ولا مصلحةَ تقودُ سلوكَـهم، ولا حقدَ يملأ قلوبَـهم ولا ولاءَ لهم إلاّ لوطنهم.

ما زلنا يا جبران نأمل، كما كنتَ تأمل، أن يحلّ السلامُ في الأرجاء وفي القلوب. ولكن بأيّ سلامٍ نحلم والظلمُ يسود العالم والأقوى يفرض شروطَه على الضعفاء، ومدينةُ السلام، مدينةُ النورِ والصلاة، القدس، مهد الديانات والمدينة التي نشأ فيها الرب يسوع الذي سنحتفل بذكرى ولادته قريباً، وفيها بشَّـر وفيها سارَ درب جلجلتهوصُـلِـبَ وماتَ ثم قامَ دائساً الموتَ بموتِـه، قد أصبحت ورقةً يلعب بها الأقوياء ويقايضون. وإخوتُنا الفلسطينيون، طيلة سنوات احتلالِها، كانوا منشغلين بالتقاتُلِ والتشاتُمِ واضطهادِ بعضِهم بعضاً عوض التكاتُفِ والتوحُّدِ في وجهِ العدوِّ المغتَـصِـبِ المدينةَ المقدسة. والعرب غافلون يتلهَّون بمشاكلهم.

ماذا نقول؟ أهنيئاً لك لأنك تنعمُ الآن حيث أنت، بما كنتَ تحلمُ به هنا؟ أم هنيئاً لنا أنّ شـهاباً مضيئاً مرّ في حياة وطننا، كان اسمه جبران، كان على شاكلة شفيعه رئيس الملائكة جبرائيل شهاباً نارياً، رحل وما زالت كلماتُـه وأفكارُه وأفعالُـه تضجُ في الضمائر؟".

وختم: "جبران عاشقُ الحرية، الأمينُ للبنان والوفي له وحده، الصادقُ مع نفسه ومع الآخرين، الشابُ الذي لم ينحنِ ولم يَـخَـفْ من قول الحق، ولم يخشَ الموت وكأني به يقول: «يا الله أنت ناصري، إلهي رحمتك تُدركني»، كان دينونةً للآخرين لذلك أرادوا باغتياله إسكاتَ الصوت الحر، صوت الضمير الذي يزعجُ مَن مات ضميرُه. اغتيالُه كان دليلاً على إفلاس قاتله وضعفِـه وحقدِه الأعمى. لم يملكْ مَن قتل جبران أن يقارعَ الكلمةَ بالكلمة والحجةَ بالحجة، فارتأى إلغاءَ الغريم، جاهلاً أنّ مَن يقتلُ الجسد لا يستطيعُ قَــتْــلَ النفس، ومَن يلغي الجسد لا يستطيعُ إلغاءَ ما تركه هذا الجسد من مآثر، ومن كلماتٍ ما زالت تصدح في ضميرِ كلّ مَن سمعها. يقول الرب يسوع: «لا تخافوا من الذين يقتلون الجسدَ ولكنّ النفسَ لا يقدرون أن يقتلوها». (متى 10: 28).

رجاؤنا أن يبقى صوتُ جبران وقَـسَـمُـهُ صدّاحاً في نفوس اللبنانيين لكي يتابعوا مسيرةَ جبران ويلاحقوا أحلامه مع بناتِ جبران وأصدقائه وأحبّائه، إلى أن يقوم لبنانُ صحيحاً معافىً وقد تخلّص من جميع أمراضه وضعفاته وتخلّى عن كلّ ما يعيق صيرورته الوطنَ الذي يحلمُ به أبناؤه.

رجاءُ المسيحي مؤكدٌ لأنه يؤمن بالإله الذي بذل نفسه من أجله ليقيمه معه ويسكنَـه في ملكوته. جبران كان مؤمناً وعاش على الرجاء، ونحن معه على هذا الرجاء، ومتيقنون أننا لا بد طالعون من الأحزان والتجارب التي نعيشها إلى فجرٍ جديدٍ ويومٍ جديد". 














اقرأ أيضاً: "شو ناطرين لنفيق؟"... فليكن وعياً على مستوى الوطن والإنسان والحرية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard