"دبي" انطلق... مديره الفني: منذ 15 سنة أراهنُ على أفلام لا تفوز

7 كانون الأول 2017 | 16:25

المصدر: "النهار"

كايت بلانشيت.

١٣ دورة مضت منذ انطلاق مهرجان دبي السينمائي. أمس افتُتحت الطبعة الرابعة عشرة (٦ - ١٣ الجاري) في مدينة أرينا بفيلم "عداوات" للمخرج الأميركي سكوت كوبر. الغرب الأميركي بتوقيع سينمائي حرفي كان قد قدّم سابقاً "قدّاس أسود" مع جوني ديب. المَشاهد الأولى تذكّر بـ"الباحثون" لجون فورد. يتولى كوبر التحدي الأكبر المتمثل في إعادة إحياء الوسترن، الا ان المسألة ليست بتلك البساطة وهي تحتاج إلى ضخامة رؤية وعبقرية لا يملكها مخرجنا العتيد. الفيلم مُنفَّذ بروحية السينما المستقلة التي تتبلور على هامش هوليوود، وهو يحاول نيل حصته في الحفل المقبل لتوزيع جوائز الـ"أوسكار". قبل سبع سنوات، استطاع كوبر اعطاء جيف بريجز "أوسكار" أفضل ممثل عن دوره في "قلب مجنون". أداء كريستيان بايل متين ومقنع جداً. هكذا كان دائماً حتى في أفلام هشة البنية والإخراج. مرة جديدة، تختار الإدارة فيلماً طويلاً (يتجاوز الساعتين) و"صعباً" في ليلة الانطلاق. نتذكّر العام الماضي عرض "ميس سلون"، ثريللر سياسي ثرثار من بطولة جسيكا تشاستاين. أعداد كبيرة غادرت الصالة تباعاً، خلافاً لأمس حيث الحضور تمسّك بالفيلم، على الرغم من عرضه بالتزامن مع حفل العشاء. 

الافتتاح كان "مُبَكَّلاً": سلالة، اختزال، كلمات مقتضبة. أربعة تكريمات وُجِّهت إلى كلّ من الممثلة الأوسترالية كايت بلانشيت، والسيناريست المصري وحيد حامد والممثل الهندي عرفان خان والممثل الإنكليزي باتريك ستيورات الذي اشتهر خصوصاً في أفلام "ستار تريك"، رغم أدواره الكثيرة والمتنوعة في المسرح والتلفزيون. في هذا الصدد، من المسلّي التذكير بأن المهرجان يُختتم بجزء جديد من سلسلة "حرب النجوم".


١٤٠ فيلماً من ٥١ بلداً تنتظر رواد المهرجان طوال ثمانية أيام. لم تخلُ السجادة الحمراء أمس من الصخب والغلامور وعدسات الكاميرا. الإعلام، المغتربون الأجانب، الرعاة، عاشقو سينما ومحترفون يعملون فيها، كانوا جميعهم هنا. المظاهر الأمنية لم تكن مزعجة، آلة فحص معادن تمر عبرها قبل دخول الصالة التي تستوعب ١٨٥٠ متفرجاً، نصف الحضور من رعاة المهرجان. نسيم عليل هبّ على المدينة التي ترتدي ثوبا ميلاديا من أحمر وأبيض ولون الذهب.

هذا الحدث الثقافي الذي هو مهرجان دبي السينمائي، مكلَّف صناعة الجانب الرصين لمدينةٍ عربية لطالما كان هاجسها الأرقام القياسية والتقليعات الهندسية وأشياء من تلك التي تدغدغ أحلام عرب آخرين. وهذا لم يكن ممكناً لولا القدرة على بناء علاقة معينة مع المُشاهد، فالبطاقات لعدد غير قليل من الأفلام تنفد سريعاً. "دبي" تخطى فرضية انه مهرجان جاليات، فانتقل من ٣٠٠٠ مُشاهد في الدورات الأولى إلى ٧٠ ألفاً في الدورة الأخيرة. في البداية، كان يُقال عنه: البلد الذي لا ينتج سينما، لا يمكن ان ينظّم مهرجاناً سينمائياً. في رأي المدير الفني للمهرجان مسعود أمر الله ليس لهذه المقولة أي أساس من الصحّة. فـ"دبي" وضع نصب عينيه العرض وبثّ الثقافة السينمائية وتهيئة الأرضية. "الأمر أشبه بدولة لا تفتح جامعات لأنه ليس لديها مدرّسون، المقارنة غير جائزة"، يقول أمر الله. "في البداية، انتُقدنا كثيراً، بسبب الكثير من الأشياء التي فعلناها. وقتها كان يُنظر الينا باعتبارنا بلداً ثريّاً يرمي أمواله…". يروي الرجل ان كلّ دورة مختلفة تماماً عمّا سبقها، بظروفها ومحيطها وانتاجيتها. "فعلياً، لا دورة تشبه الأخرى، وهذا جمال العمل الذي نمارسه والمتمثل بعدم تقديم الشيء نفسه مرتين. مثلاً، المشاكل التي كانت موجودة في السنة الماضية اختفت هذه السنة، ولكن قد تعود بعد خمس سنوات".


ساهم "دبي" في "نهضة" الأفلام التي تُنتج في الإمارات. قبل عقد من الزمن، كانت تندر جداً الأفلام ذات التمويل الإماراتي، سواء أكاملاً أم جزئياً. في حين بات هناك اليوم ٨٠ فيلماً شاركت الإمارات في إنتاجها، سواء عن طريق صندوق "إنجاز" أو "إيمج نيشن" التي تموّل أفلاماً هوليوودية أيضاً. هذا الحراك كان "دبي" جزءاً منه، يقول أمر الله: "صحيح ان العربة وُضِعت أمام الحصان، ولكن سرعان ما لحق الحصان بالعربة لا بل تجاوزها".

في السنوات الماضية، أفلام مهمة عُرضت في المهرجان. ثمة "بلوكباسترات" شقّت طريقها اليه أيضاً، منها "أفاتار" أو "مهمة: مستحيلة" في عروضهما العالمية الأولى. لكن السؤال الذي يجوب الخاطر: هل يمكنهم دائماً الحصول على كلّ ما يتمنونه؟ بعد التدقيق، الجواب هو لا، ذلك ان المسألة مرتبطة باعتبارات عدة، أولها التضارب مع تواريخ العرض المقررة سلفاً في الصالات. أما انعقاد "دبي" قبل شهرين من الـ"أوسكار"، فـ"هذا يفيد ولا يفيد في الحين نفسه"، يقول أمر الله، شارحاً: "يفيد بمعنى ان الأفلام الأوسكارية تخرج عادة في فترة انعقاد "دبي"، تالياً نستطيع الحصول عليها، ومن جهة أخرى لا يفيد لأن طاقم عمل هذه الأفلام مرتهن للولايات المتحدة. وهذا يعني اننا نحصل أحياناً على الفيلم، ولكن لا يكون في مقدورنا الحصول على فريق العمل المنشغل بالحملة الترويجية للفيلم في أميركا".

تبقى الأفلام العربية التي يخضع اختيارها لاعتبارات مختلفة تماماً. يعترف أمر الله انه لا يتأخر عن انتقاء فيلم عربي لموضوعه أو لقضية مهمة يطرحها، غافلاً في بعض الأحيان قيمته الفنية المتوسطة. والأفلام العربية الجيدة تتصارع عليها عموماً أربعة أو خمسة مهرجانات عربية، والآن مع دخول “الجونة” في حلبة المنافسة، صارت المنافسة أشدّ. فالمهرجان الوليد أخذ من درب كلٍّ من القاهرة ودبي، التظاهرتين اللتين تُعقدان من بعده. مع ذلك، هناك ١٥ فيلماً عربياً طويلاً، وثائقياً وروائياً، تُعرض في اطار مسابقة "المهر" هذه السنة. أفلام تكشف هموم المجتمعات العربية على اختلافها، من الجزائر ولبنان والمغرب وفلسطين ومصر… بعض هذه الأفلام انطلقت من مهرجانات دولية كبيرة كتورونتو والبندقية ولوكارنو. اليكم بعض العناوين: "السعداء" للجزائرية صوفيا جمعة؛ "بانوبتيك" للبنانية رنا عيد؛ "طعم الإسمنت" للسوري زياد كلثوم؛ "برن أوت" للمغربي نور الدين الخمّاري؛ "غزية" للمغربي نبيل عيوش؛ "آلات حادة" للإماراتية نجوم الغانم، "الرحلة" للعراقي محمد الدراجي.

في نظر أمر الله، يعتمد حضور الفيلم العربي داخل المهرجان على العام السينمائي ومحصّلته. "هناك أعوام غزيرة إنتاجياً وسنوات تمتاز بالضحالة"، يقول. "لكن غزارة الإنتاج لا تعني النوعية الجيدة. ثم ان السينما تتأثر بكلّ ما يحدث في العالم العربي، ولا سيما الأشياء ذات الطابع التدميري الحاصلة منذ بضع سنوات".

بالنسبة إلى لجان التحكيم، يقول ان مهرجان دبي ليس فيه مسابقة دولية بل عربية، لذلك عضوان إلى ثلاثة أعضاء يجب ان يكونوا من العالم العربي، "وإلا تاه الأجنبي الذي في اللجنة". يتابع: "أعتقد انه يجب ان يتم شرح كلّ ما يحدث في المحيط العربي لذلك الشخص الأجنبي الذي ليس له تلك الخلفية، فهو يملك تصورات أولى فقط. الا ان الأفلام تتناول مواضيع شائكة ومعقّدة تماماً. عموماً، ليس للناس أي موانع من الناحية المبدئية، ولكن أحياناً يكونون مرتبطين بحملة ترويج أفلامهم. تشكيل لجان تحكيم من أصعب المهمّات. أعضاؤها لديهم مزاج خاص. صعب جداً ان تجد أشخاصا ينجذبون بعضهم إلى بعض وفي امكانهم ان يكمّلوا بعضهم بعضاً. تتأتى الصعوبة من كونك لا تعرفهم جميعهم شخصياً. الكيمياء بينهم هي التي تصنع النتائج. في النهاية، مهما تكن النتائج، فهي لا تعني أي شيء بالنسبة لنا كمهرجان، ذلك اننا اخترنا الأفلام منذ البداية في المسابقة وهي مرشّحة للفوز".

أنقل إلى أمر الله فكرة مفادها انه عندما يبدأ المرء في اختيار الأفلام ولجان التحكيم فهو بطريقة ما يختار الأفلام الفائزة. فكرة لا يوافق عليها، لا بل يقول: "منذ ١٥ سنة أراهن على أفلام لا تفوز".

في الحديث عن الصحافة، يقول أمر الله ان عليها النظر في أشياء أخرى غير الأمور العابرة. "هناك ما هو مهم يفلت أحياناً من يد الإعلام، فنضطر إلى شرحه. خذ مثلاً قضية الفيلم القصير الذي لا يشاهده أحد من الصحافيين. في حين انه المكان الذي ينطلق منه كلّ مخرجي المستقبل. إذا القيتَ نظرة على كاتالوغات الدورات الأولى من المهرجان، فستجد ان الكثير من السينمائيين الذين صار لديهم اسم اليوم مروا عبر الفيلم القصير. هذه هي إشكالية الصحافة عندنا، فهي إذا رفضت اكتشاف سينمائيين جدد، أجدها بمعزل عن التقييم. لا تقيّمني فقط بناءً على نتائج أصدرها آخرون لا علاقة لهم بالمهرجان. قيِّمني على شغلي وعلى الاكتشافات. فناجي أبو نوار مثلاً فاز في الدورات الأولى عندنا. كذلك بالنسبة لشيرين دعيبس وآن ماري جاسر. ليراهنوا على الأسماء وعلى ماذا يقدّم هذا المهرجان وكيف منح السينما العربية هذا المكان".

"هل ثمة رقابة ذاتية في دبي؟"، أسأل أمر الله، فيقول: "بالتأكيد، هناك محاذير في كلّ بلد، كلّ بلد لديه وضعه الإجتماعي والسياسي والديني. لذلك نتفادى كلّ شيء لا يمشي مع توجهات البلد. ولكن مهلاً، كثير من الأفلام التي عُرضت في "دبي" لم تُعرض في لبنان. لا أعرف كيف حصل هذا! هل نحن أكثر انفتاحاً؟ بالتأكيد لا. الحساسيات مختلفة".

ختاماً، يقول أمر الله ان تونس هي البلد العربي الذي قفز قفزة سينمائية مهمة في السنوات الماضية وهي حاضرة بقوة في كلّ مكان. بالإضافة إلى لبنان: "واجهتنا صعوبة ووُضعنا في حيرة كبيرة لإختيار أفلام من لبنان، خصوصاً القصيرة منها".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard