هو...لكِ

29 تشرين الثاني 2017 | 11:43

كان اليوم جمعة، بعد الظهر، ليس لديها عمل. لا شيء يُتعبها سوى التغيّر المفاجئ والكبير في شخصيته، في مدى صبره، في تعاطفه معها، في طريقة توجّهه إليها. 

كانت دائماً منزعجة من ذلك التغيّر لأنه يطالها بشكل مباشر. هي التي اعتادت حنانه، وعطفه وتعاطفه، على إعجابه الدائم بكل ما يمتّ إليها بصلة. الآن هو شخص آخر، غريب عنها، يصرخ في وجهها.. يشتمها لأتفه الأسباب، لا يحتمل المكوث إلى جانبها. ولكنها تعذره، هي منزعجة ولكن عاذرة. تعرف أن وفاة والده لم يمضِ عليها سوى ٦٢ يوماً. هي التي ذاقت مرارة فقد الأب، تستطيع أن تخمّن أن شهرين من الزمن ليسا كافيين على الإطلاق لمداواة جرح الفقدان.

منزعجة هي من تصرفاته ولكنها تعذره، بحب وشغف تتحمّله.

مساء ذلك اليوم، ٢٧ كانون الثاني، قررت أن تزوره، أن تسلك الطريق الطويل من الجبل إلى شارع الحمرا، وسط العاصفة الهوجاء. هي تشتاق إليه، وفي لحظات شوقها لا شيء يحول دون وصولها إليه. في لحظات شوقها تتمنى له كل الخير، وتشتهيه في كل شيء، هي الآن تأكل اللبنة وتعرف أنه قد تعب من تناول الطعام الجاهز، قد تعب من مطاعم الحمرا وازدحام زبائنها، ورائحة زيت الزيتون من أعالي عكار تملأ المكان، وتزيدها رغبة بالطيران إليه لمشاركته لذاتها، وهل ألذ وسط هذه العاصفة من لقمة اللبنة مع زيت الزيتون. حملت زوادتها وأبرقت إليه. فرح بالزيت واستساغ اللبنة ونظر إليها نظرة حب وغادرت المكان. كالفراشة تحوم فرحاً. الأمل موجود ويمكن إلى عهده السابق أن يعود.

في تلك الليلة تكلّما كثيراً، كانت سعيدة به تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تستعيده، أن تعيده إليها، أن تنتشله من أحزانه.

انقضت ليلة السابع والعشرين، وها هي ليلة الثامن والعشرين تدخل عليهما. انها الساعة الثانية وثماني دقائق بالتمام وهما ما زالا يتكلمان.

تغمرها سعادة لا حدود لها. ها هو عاد إليها يمضي معها الساعات بالكلام عن كل شيء من دون كلل أو ملل.

ولكن في تلك الدقيقة، الدقيقة الثامنة بعد الساعة الثانية بعد منتصف الليل من ليلة ٢٨ من كانون الثاني. رن هاتفه الثاني رنة زلزلت حياتها وبعثرت كيانها وأذاقتها لوعةً تفوق لوعات الحروب والكوارث الطبيعية والمرض والموت وكل ما في الكون من لوعات.

رن هاتفه رنة قصيرة، ولكنها كانت كفيلة بشلّ كل خلية من خلايا جسدها. تجمّد كل متحرّك وتوقّف الزمن في تلك الدقيقة.

من المتصل؟ سارعت إلى سؤاله. ولكنه تهرب من الإجابة، أصرّت.. فبدأ بطرح إجابات وإجابات لم تقدر حتى أن تتخطى جدار أذنيها. كلّها هباء..

وبدأت المعركة. بكت.. صرخت.. ناحت.. تمزقت.. تمزقت ألف مرة ومرة.. تمزقت مليون مرة.. مليار مرة. وهو يكابر ويهدّد "إن أخبرتك من المتصل سننفصل.. سأبتعد عنك.. ستنتهي علاقتنا.. لن نستمر..". ولكنّها تسمع ولا تأبه..

تنوح وتصر.. لا أريدك.. بل أريد أن أعرف من اخترق عالمنا الليلي؟ من هو ذاك الذي تجرأ واتصل في ذلك الوقت؟.. من هو ذاك الذي لم يعرف بعد "أنك لي وأنك محرم على غيري؟".

لم يستطع مع نوباتها الجامحة سوى الاعتراف.. لقد أخافته ردة فعلها.. فاعترف.

" انها أخرى أحادثها منذ شهر.. وأنت انتهيت من حياتي.. اعترافي هذا هو نهاية علاقتنا".

لم يزدها الاعتراف إلا إصراراً.. لم يفعل لها الاعتراف سوى أن أجّج النار في قلبها. فبدأت معركتها الثانية.. كانت معركة شرسة انتهت بحصولها على رقم هاتف تلك الأخرى.

كانت الساعة الرابعة صباحاً ولكن شيئاً لن يمنعها من المضيّ.

طلبت الرقم وانتظرت. فجاءها من بعيد صوت أنثوي.

وعندها فقط وعت أن ما يدّعيه حقيقة....

- هل أنت تعرفينه؟

- نعم

- منذ متى؟

- نحن في علاقة حبّ منذ شهر.. وأنا أعرف تجربتك معه.

في تلك اللحظات شعرت بأنها فقدت كل حواسها.. لقد باتت خرساء وعمياء، حتى إنها فقدت حاسة التذوّق. في تلك اللحظات شعرت بأن قنبلة نووية أشدّ من تلك التي رُميت على هيروشيما قد انفجرت في دماغها، فشتتت خلاياه وحرقته برمّته. في تلك اللحظات شعرت بألم لا مثيل له.

ما عرفت كيف يجب أن تتصرف.. ما عرفت ما يجب القيام به. هل ترمي نفسها من على شرفة الطابق الرابع؟ هل تتناول أكثر سكاكينها حدة وتمزّق كل شريان وكل عرق؟ هل تُنزل كل ما في خزانة الأدوية وتبتلع ما توفّر لديها من عقاقير؟ نار تأكلها.. ضباب يحيطها.. ألم غريب متوحش يعتصرها.. ماذا تفعل؟ ما الحيلة؟؟ الدنيا سوداء حالكة..

- هل تحبينه؟

- نعم.

- هو لكِ....

هل هو فعلاً لي

قالتها وأقفلت الخط "هو لك".

ولكن هل صحيح هو لها؟ هل صحيح أنها تجربة مارّة في حياته وأنها انتهت؟ هل كان كلامه عن الانفصال مجرد تهديدات آملاً من خلالها أن يُثنيها عن الإصرار على معرفة الحقيقة؟

تضخمت الأسئلة في رأسها ورافق تضخمها تضخم أفظع في الألم الذي كان يأكلها.

سطعت نور الشمس وهي عاجزة عن النوم، عاجزة عن وضع حد لأفكارها. كانت لدى علمها بعلاقته الأخرى قد حجبت عن نفسها كل وسائل الاتصال به، محت رقمه من هاتفها وحظرته في كل وسائل الاتصال الممكنة.

ظنّت أن كرامتها أغلى من حبها له، وأن كبرياءها أعزّ من عشقها.. ولكن... أي هجوم للكرامة والكبرياء قادر على اقتحام قلعة ولهها به. لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى بدأت تشتاق إليه، ومع مرور اللحظات، كانت جحافل شوقها تقضي شيئاً فشيئاً على جنود كرامتها وفرسان كبريائها، وانتهت معركة كانت تظنّها معركة صمود بجريها مرة أخرى إليه.

من جديد قطعت الطريق الطويل بين الجبل وشارع الحمرا، ولكن الفتاة التي أبرقت إليه من بضع ساعات غيرها التي تركض إليه الآن، يجمعهما فقط الشوق. فتاة الساعات السابقة متلهفة للقائه، هو أقرب الناس إليها، لا تشعر بالاطمئنان سوى معه، ولا تخلع قناعها الذي ترتديه في كل حين عدا أمامه. فتاة الآن تختلجها أحاسيس متناقضة. هي تعرف أنه لها ولكن تشعره بأنه غريب غرابة شديدة عنها، تشعر بالخوف.. بالقلق.. بعدم الاطمئنان. تشعر بأنها تريده، تريد أن تشدّه بين ذراعيها، أن تقبّل كل جزء من جسده، أن تبكي أمامه من دون توقّف، وفي الوقت عينه تشعر أنها تكرهه بلا حدود.

كانت أحاسيسها مبعثرة مشتتة متناقضة، ولكن قوة جاذبة دفعتها إليه. دقّت باب البيت ففتح لها آخر، وفور دخولها غرفته وجدت نفسها تحمل يديه وتقبلهما. نظر إليها وبدأت عينه تذرف دموعاً صامتة. حتى الآن هي لا تعي ما فعلته. كان في قلبها ثورة، ولكن لدى رؤيته خرّت تقبّل يديه.

الآن، بعد مرور سنة بكاملها على تلك الحادثة، تعرف أنه لها وليس لأية أخرى غيرها، ولكن تعرف أيضاً أن ذكرى ما حصل في تلك الليلة وحش يخرج عليها في كل ليلة ويمنعها من النوم، هو غول يؤرّق نومها وصحوها ويمنعها حتى من الاستمتاع بوجوده إلى جانبها، هو شيطان في كل مرة تحاول العودة إلى سابق عهدها يضلّلها ويهلكها.

صوت تلك المرأة عالق في صوان أذنها، كلما ابتعد الزمان كلما زاد قرباً منها، يتحوّل في جوف الليل إلى أبواق حرب تصمّها، إلى أفاعٍ هزيلة تدخل من أذن وتخرج من أخرى ثم تعود وتدخل وتخرج من جديد وتلتهم في طريقها ما تقدر عليه من خلايا دماغها.

فهل هو فعلاً لها؟ وكيف الشفاء منه؟


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard