حين توقف أوراقُ الخريف أعتى القطارات...

28 تشرين الثاني 2017 | 17:02

المصدر: "النهار"

الجانب المظلم من لوحات إدوارد هوبر.

كان القطار يعجُّ بالركاب القادمين من ضواحي #باريس، شمالِها الشرقي، في ساعة مبكرة من صبيحة الاثنين. ومع أشعة الصباحٍ الأولى، استقلوا العربات في هدوءٍ، وتوجَّهوا إلى مقاعدهم، وأخذ كلٌّ مكانًا، كأنما تعوَّد عليه، في رتابة مدهشة. كانت أغلبيتهم من ذوي البَشرة البيضاء المُشرقة، والشعر الأشقر المنسدل. تعبق من أعطافهم رقائق العُطور الغالية، وتلوح بين شذاها ألوان مساحيق ثمينة. قُبيل إطلاق صافرة الإغلاق، تسلل شابٌّ إفريقي، في لون الأبنوس: قامة فارعةٌ، جسدٌ متين، يعتمر طاقية بيضاء، وفي اليد محفظة جلدية متقادمة. انغلقت الأبواب.  

سار القطار بتؤدةٍ. وما لبث أن تسارع إيقاعه يطوي، في لحظاتٍ، مراحل شاسعة، تفصل بين ضاحية الشمال ومدينة المال والأعمال الحديثة، تلك التي تضم، بين جنباتها، أبراج تجاراتٍ عالمية وإدارات بنوك عملاقة ومكاتب لها فاخرة.

استغرق البعضُ في قراءة ما بأيديهم من كتبٍ ومجلاتٍ، وقد تناثرت من صفحاتها صور شقراواتٍ رشيقات، وفاحت من طياتِ إعلاناتها روائح العطور الغالية. واستسلم البعض الآخر إلى نغماتٍ هادئة، تصل الآذانَ عبر سماعات الهواتف الذكية. ينتظرهم يومٌ، كسائر الأيام، رتيب، مُريب: يغدون إلى مكاتبهم واجتماعاتهم، وفيها يمارسون ألاعيبهم اليومية، وسحرهم الحديث، في معترك طلاسمَ وطموح، وليس لآفاق الربح غاية، ولا لأَوهام الخلود منتهى.  

وبين هؤلاء وهؤلاء، انتحى مسافر يحادث حسناء سخيفةً، تجلس قبالته، بصوتٍ أقرب إلى الهمس، وبين الحين والآخر، تندٌّ منهما ابتسامةٌ صفراوية. بجوارهما، استقر الشاب ذو السحنة الإفريقية، وأخرج من محفظته الجلدية كتابًا، صفراءَ أوراقُه، مُهترئة. شرع يقلِّب النظر فيها تارةً، ويلتفت أخرى إلى الفوانيس البيضاء التي لا تكاد تضيء سوى مِتريْن تحتها، في غيابات النفق الطويل.

فجأةً، تَوقف القطار بشدة. وتجمدت عرباتُه وسط المسار المظلم. سكونٌ مرعبٌ بينمحطتيْن. خيَّمَصمتٌ رهيب، يقطعه صرير فئران تنطُّ بين السكك، كفقاعاتٍ تسيل على شاشات الهواتف. الظلام دامس، تخترق أكنافَه أضواء باهتة تنبعث من تلك الفوانيس المعلقة على الجدران. لا يجدي شيءٌ في دفع العتمة والوحشة.   

تبادلت العيون نظراتٍ صامتة، متسائلة، متبرِّمة. علاها حسٌّ بلامبالاة العادة الثقيل. ثممرَّت اللحظات متشابهةً كأنْ لا حراكَ بها. وبدأت بوادر القَرف تنقبض في أسارير الوجوه، بعدما مرت دقائق طويلة. غابت البسمات الباهتة، وهيمن على العربة صمتُ موحِش. وزاد من كثافة الوحشة، غياب أدنى إعلان صوتي يفسر سببَ توقف القطار، مدته، أسبابه... أيٌّ صوتٍ كان كافيا لتبديد الوجوم. وفي ظل هذا السكون المميت، انكبَّ الركاب على كتبهم ينظرون إلى صفحاتها في يأسٍ، وشرد بعضهم الآخر يتأمل نوافذَ القطار، وما وراءها من كثافات العتَمة. وبإصرارٍ مفتعل، حاول البقية بعثَ برسائلَ نصية إلى مديريهم، وزملائهم وذويهم. ولكنَّ الشبكة غابت، وانقطع الاتصال بالعالم الخارجي، لبُعد الغور تحت الأرض. وعاد الشاب الأسود إلى أوراقه الصفراء، يجول فيها بناظره المهموم. وقد ترتسم على شفتيه تمتماتٌ.

وأخيرًا، تعالى، من مصدح عربة القيادة، نداء يُلقى بصوت متكسر عاجز: "سيتوقف قطارنا لمدة غير معلومة، بسبب تكدس أوراق الخريف الجافة،وهي التي تعوق سيرَ القطار، الأوراق الميتة تعوق...". طال الانتظار دقائق أخرى، امتدت كأنَّها دهر طويل، استُرِق من زمن المدراء والمستهلكين.

 ومن جديد، غاص كل راكبٍ في عالمه العميق، وراح يفتش، في شرودٍ وقرفٍ، بين الخواطر والذكريات. وانبعثت وقتها أسئلة من المصابيح المعلقة، تتالى رقيقة لامبالية مع أشعة الضوء الخافتة: أتخال الأوراق أنها ستظل إلى الأبد يانعةً؟ كيف تتحدى وريقاتٌ ذاوية عجلاتِ القطار الحديدية؟ أتتجرَّأ على إعاقة تقدمها الآلي؟ أو تسخرُمن صلصلتها العاتية حين تُطبق على صفائح الحديد الباردة؟

رجع صوتُ السائق متقطعًا: "انتبهوا من فضلكم، من فضلكم، سيواصل القطار سيَره، انتبهوا، الانطلاق حالاً". ومع نغمة النصر التي وشحت هذا النداء، تناهت إلى الأسماع أصداءُ تهشمِ الأوراق الصفر، تتآكل تحتَأزيز عجلات الحديد، تكسرها ببطْء وبرود، على طول عشرات أمتار النفق الواصلة بين المحطتيْن. توهمت الأوراق الميتة أنها قادرةٌ على إيقاف عجلة القطار، فتزاحمت بكبريائها وشكلت كومةً صغرى، ثم اعترضت سطوةَ الحديد، وهي تصلصل في غرور، وتتقدم بصلفٍ. نجحت بعض الأكوام في تعطيل تقدمها، ولكنَّ العجلات صمدت، واستدعت ما لديها من تصميم الغُرور.

ظهر تأشعة شمس الصباح الأولى، وخرج القطار من الغَور، فعادت شبكة الاتصال بالتدريج إلى أن استحكمت أمواجُها. دسَّ الشاب الأسود كتابَه القديم في محفظته قرِفًا، في حركةٍ آلية، وفتح هاتفه الجوال بغرور. ارتسمت على شاشته صورة فتاة ايزيدية تروي أمام مجلس الأمن قصة بَيْعها في سوق النخاسة... تلتها جملة إخبارية باللون الأحمر:  "وأخيرًا، تلاشى حلمُ الخلافة بموت قياديي الحركة الإرهابية. عجلة التاريخ لا تُقْهر".  

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard