العن الشيطان... أنت لم تستطع أكلَه فكيف ستستطيع حَصْدَه؟

17 تشرين الثاني 2017 | 16:33

كُسكُس.

أشار الحاج مْنْصُور فوُضِعت قِصاع الكُسْكُس أمام الحصادين. بخار متصاعد تحته قبةٌ من الخضر أحمرها وأخضرها وأصفرها وتحت القبة لحم نضاج وتحته وحوله برغل الشعير يسبح في مرقٍ يعبق بسمن مدفون مُعتق بُعث من التراب ليطيب بخلطته المُتَبَّلة الطعامُ. الكُسْكُس هو الطعام والطعام هو الكُسْكُس هناك في تلك السهول المترامية.

لا يُؤْثِرُ الحاج منصور بسَمنه أضيافا دون أضياف بل يبذله لأيّ كان، وكائناً من كان ضيف ولائمه. ولئن كان يقال عيبُ الطَّعَام خير من عيب أصحابه ليُلتمس العذرُ للفقراء الكرام الذين لا يجدون ما ينفقون ويؤثرون في أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فإن الحاج منصور لم يكن يُعابُ لا هو ولا طعامُه الشهي. لكن الضيافة شيء والإجارة شيء آخر.

تحلق الحصادون حول القصاع الكبيرة بعد صبيحة من عملٍ دؤوب في حقول الحاج منصور. اليوم أولُ أيام حصاد الشعير والعمل شاق، لذلك صنع لهم طعاما من شعير، من جنس ما يحصِدون حتى لا يبقى بينهم وبين الخيل مِن فرقٍ سوى الشاي فقط.

كان الحاج منصور يروح ويعود بين صَفي ضيوفه، يداعب هذا ويشاكس ذاك، ويحدثهم حديث خبير بأمور الحصاد وقد مارسه شابا في حقول هو وارثها الوحيد. وهل ينبئك غيرُه عن الحصاد في الليالي المقمرة حين ينتشر الحصادون كأسراب جرادٍ ليلي عملاق، تصبح الغيطان بعدَ مروره قاعا صفصفا لا ترى فيها أمواج السنابل التي كانت بالأمس تميس مع ريح الصَّبَا.

كان يغدو ويروح حتى استوقفه شاب يأكل أكل المريض. بدا غريبا وسط جمع الحصادين المنهمكين في التهام لقَم الكُسْكُس ولمَّا تبْرُدْ بعد. داعبه بكلمات. حضّه على منافسة القوم الشداد الذين ساقته الأقدار غريبا بينهم. لكن الشاب تبسم ومضى يلوك ببطء لقيمات البرغل تحملها إلى فمه يدٌ متباطئة. كأنه من المتعلمين. كأنه ابن حاضرة أتى هناك فضولا. أو لعله ضعيف أو كسول.

فرغ الجمعُ من لعق القصاع وأشار الحاج منصور كإشارته الأولى فرُفعت فارغة، إلا قصعة الشاب المتباطئ فقد أشفق من حاله بعض جلسائه وتركوه يتمم بإيقاعه ساحل القصعة الذي أمامه. ودارت كؤوس الشاي المطيب بنعنع على فطرته الأولى، لم يعرف جينات ولا مبيدات. كان شايا بمعايير الجودة البدوية. ثلاثُة حاءات. حلو وحامٍ وأحمر.

مرت لحظة استرخاء ثم هبوا للعمل كأطفال لا يتعبون، بينما الحاج منصور يتتبع الشاب ببصره حتى قام. تأبط الكل عُدة حصاده وقصدوا الحقل. همَّ الشابُ أن يتبعهم لكن الحاج أوقفه عند باب الحوش وقال له:

- كم قاولوك هنا يا ولدي؟

أخبره الشاب بأجرة اليوم وهم أن يمضي ظنا أن الأمر استقصاء روتيني، لكن الحاج استوقفه بقوة وناوله أجرة يومه وورقة مالية نافلة. وقال:

- انصرف يا ولدي لتستريح.

أجابه الشاب ظنا أن الأمر يحتمل بعض استدراك أو استئناف:

- لا يا سِيدي الحاج أنا بخير. لا تهتم.

أجابه الحاج بنبرة حازمة حاسمة:

- يا ولدي، العن الشيطان... أنت لم تستطع أكلَه فكيف ستستطيع حَصْدَه؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard