يوميات ثلاثيني مهزوم

16 تشرين الثاني 2017 | 10:59

المصدر: "النهار"

الوجه المهزوم، لوحة لبيكاسو.

عادة، يأتي النكران ضمن التحولات الطبيعية التي يعيشها الإنسان إثر صدمة نفسية: صدمة الخسارة، صدمة الموت، صدمة المرض...  

وتتأزم حالة المصدوم حين يبقى عالقاً في هذه المرحلة، ولا يستطيع الخروج منها للانتقال إلى مراحل الغضب، فالاستسلام ثم تقبّل الواقع. منذ مدة، وكاتب هذه السطور قابع في زاوية النكران، يحاول إقناع نفسه بأنّ كل شيء على ما يرام وبأنه ينجح في السيطرة على كل الأمور. لكن الحقيقة عكس ذلك.

الحقيقة تشير إلى أنه فاقد أي سيطرة. ولعل أبرز نتائج حالة الانهزام التي يعيشها، هي عدم قدرته منذ مدة على إمساك الورقة والقلم، عدم القدرة على الكتابة.

***

على طريق فرعية توصل أوتوستراد بيروت - طرابلس بالصفرا، ركن سيارته. كانت الساعة تقترب من الأولى بعد منتصف الليل. شيء ما يمنعه من العودة إلى المنزل. بدأت عيناه تدمعان. الوجع الذي يضغط على صدره منذ ساعات، لم يخف أو يضمحل. في لحظات مماثلة، تصعب ترجمة الأحاسيس على الورق. يقولون إنّ الكتابة، لمن يستطيع، مَلَكة تشفي من الجراح أحياناً. ولكن، ماذا لو كانت آلام الخيبة أقوى من الكلمات؟

***

في العلبة المجاورة للمقود، ألبوم صور قديمة. لا شيء يؤلم أكثر من رؤية الصور القديمة. لكنه تلك الليلة، وحين قرر مواجهة تحدّي الكتابة، أو بالأحرى تحدّي النفس، فتح العلبة سريعاً والتقط بسرعة ألبوم الصور.

وهو يقلّبه، اجتاحته رغبة للنسيان. نسيان اللحظة الراهنة ونيرانها. نسيان حاضر باهت. ترى، هل يمكننا أن نمزّق الصور؟ الصور التي تعجّ بها الذاكرة؟ أم تكمن الراحة في العودة إلى السنوات التي خلت، والبقاء أسير الذكريات الملونة. يا الله، كيف تحوّل ذاك المراهق الاجتماعي - والزيادة عن اللزوم - عجوزاً ثلاثينياً، يختار العزلة أسلوب حياة. هل هم الناس الذين تبدّلوا، أم هو مَن ملّهم سريعاً، واكتشف أنّ متعة الحياة لا تعني بالضرورة كثرة الأشخاص من حولك، ولا زحمة الأماكن؟ لكن شعور الوحدة قاتل، ومرارة الخيبة تكاد توصل إلى الاختناق.

***

إنها خيبة من كل شيء: من النفس، من الأحلام المجهَضة، من الأقرباء، من بعض من اعتبرناهم أصدقاء، من أحبة، من مشاريع معلّقة... ومن وطن، نعيش فيه شبه أشباح. ننهض كل صباح بلا هدف، نستحم لنزيل عنا بعض آلام الخيبة. نأكل ونعمل ثم نعود إلى فراشنا. ننام بلا أن ننتظر هدفاً يشجّعنا على النهوض في اليوم التالي. نحاول استعارة حلم يقوّينا. حتى الحلم لم يعد ممكناً في أرض مشبّعة بالهزيمة والخوف.

***

انزلوا إلى الشارع. راقبوا الوجوه. حدقّوا جيداً في العيون. المشهد مرعب. وإذا كان الوضع السياسي ينذر بمرحلة صعبة، فإن حال القلق والجنون الجماعي... تنذر بالأسوأ.

نحن اليوم نعيش ونستمرّ وحتى نكتب... "بطلوع الروح"!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard