تأثير الأزمة السياسية على الاقتصاد اللبناني

9 تشرين الثاني 2017 | 15:29

المصدر: "النهار"

أحدثت الاستقالة المفاجئة لرئيس الحكومة اللبنانية قلقاً هائلاً لدى جميع اللبنانيين جعلتهم يتساءلون عن ارتدادات هذة الأزمة المستفحلة على أوضاعهم المعيشية. وهنا لا بد من التمييز بين الوضع النقدي والوضع الاقتصادي. 

على المستوى النقدي

من المؤكد أنه لا تهديد على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية أقلّه على المدى القصير كما أكد ذلك حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في تصريح إلى "رويترز" قائلاً: "تبلغ الاحتياطات لدى المصرف المركزي 44.3 مليار دولار، وهذا مستوى قياسي مرتفع، هذه العمليات ساهمت في زيادة الأصول الدولارية لدى المصرف المركزي"... هذا الاحتياطي كفيل باستمرار الحفاظ على سعر صرف ثابت لليرة اللبنانية. وكذلك فعل وزير المال علي حسن خليل في تصريح إلى "رويترز"، أن "الاقتصاد والليرة لا يواجهان خطراً" بعد استقالة الحريري. وبدوره،أعلن وزير الاقتصاد والتجارة رائد خوري، أن "لا خوف على الليرة، والوضع المالي والاقتصادي والأمني مستقر". واعتبر أن لبنان مرّ في أزمات أكبر وحافظ على استقراره.قامت الهندسة المالية التي اتّبعها مصرف لبنان على أساس استبدال دين بالليرة اللبنانية لديه بسندات دين بالعملات الأجنبية بقيمة ملياري دولار بالتنسيق مع وزارة المال، كما قام المركزي بشراء سندات خزينة بالليرة من المصارف اللبنانية بقيمتها الاسمية بـ 11325 مليار ليرة باستحقاق أقل من 12 سنة مع فوائدها غير المستحقة، فيما قام بالمقابل ببيعها سندات دين بالدولار ومنها أوروبوند وشهادات إيداع. فيما وصل حجم شهادات الإيداع التي تم بيعها للمصارف إلى 5.5 مليارات دولار وبفائدة 7%. حملت الهندسات بعض الملاحظات ومنها كلفتها الباظة، إذ منحت القطاع المصرفي مداخيل استثنائية هائلة قاربت 5.6 مليارات دولار، بالاضافة إلى سيولة مرتفعة بالليرة لدى المصارف، ما دفع مصرف لبنان لاصدار شهادات إيداع بالليرة وبفائدة 5 % لامتصاصها بقيمة تخطت 5 آلاف مليار ليرة. ولكن بالرغم من هذه الكلفة الهائلة إلا أنها جاءت لصالح استقرار الليرة بعد الزلزال العنيف الذي أحدثته استقالة الرئيس الحريري من الحكومة بهذا الشكل والمضمون.

على المستوى الاقتصادي

أثّرت الأزمة السورية المستمرة منذ العام 2011، سلباً في كل قطاعات الاقتصاد اللبناني، إذ لم يتجاوز النمو الاقتصادي 2.5% منذ العام 2012، مقارنة بنحو 8% عامي 2009 و2010. وسجل الاقتصاد اللبناني نمواً نسبته 1.8% في 2016، و1.3% في 2015، بحسب تقارير البنك الدولي. ومقارنة بنيسان 2016 فقد إرتفع الدين العام من 71.68 مليار دولار إلى 77.17 ملياراً في نيسان 2017 أي زيادة قياسية وخطيرة بحوالي 5.5 مليارات دولار، وبالتالي فمن المرجح أن يصل الدين العام إلى 110 مليارات في الخمس سنوات المقبلة إذا استمرت وتيرة نمو العجز على حالها وستصبح كلفة الدين العام وهي ما يدفعها الشعب اللبناني في السنوات الثماني القادمة حوالي 8 مليارات. وقد جاءت الاستقالة لتزيد من حدّة هذا التدهور الاقتصادي. فهي في سياق الصراع المحتدم بين إيران والسعودية. ومع هذا التصعيد السعودي الخطير يخشى أن تجنح الأمور نحو الحرب الاقتصادية المفتوحة بكل أدواتها وما لذلك من انعكاس خطير على الاقتصاد اللبناني. ولطالما شكّلت تحويلات المغتربين اللبنانيين، خصوصاً من الدول الخليجية، عصب الاقتصاد اللبناني.إذ أن تحويلات المغتربين تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد اللبناني لأنها أحد أهم العوامل المؤثرة في الناتج المحلي الإجمالي، وفي معدلات النمو.النشرة الفصلية للبنك الدولي عن لبنان، التي صدرت في أيار 2017 ، بعنوان "نداؤنا لكم"، ركّزت في جزء أساسي منها، على ارتفاع عجز الحساب الجاري وارتفاع نسبة اعتماد لبنان على التمويل الخارجي، مقابل ضعف التحويلات واضطرار مصرف لبنان إلى اللجوء الى ما يسمى "هندسات مالية" لها تداعيات سلبية واضحة. وقد أصدر البنك الدولي تقريره الفصلي، في 2 حزيران 2016، بعنوانriks and reward». «A Geo – economy of يقول التقرير إن اعتماد الاقتصاد اللبناني على تحويلات المغتربين لتمويل الاختلالات الداخلية والخارجية "يعرّض البلد إلى ظروف اقتصادية وسياسية لا يمكنه السيطرة عليها". ويشير إلى أن "التهديد الاساسي للاقتصاد اللبناني هو احتمال ترحيل اللبنانيين المهاجرين إلى الخليج لدواع العمل". وبرغم غياب الاحصاءات الدقيقة، إلا أن الأرقام تشير إلى وجود أكثر من 500 ألف لبناني في دول الخليج .تشكل التحويلات المالية للبنانيين العاملين في الخارج نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، علماً بأن نحو 60% من هذه التحويلات هي من دول الخليج.وبحسب دائرة الأبحاث الاقتصادية في بنك بيبلوس تمثل بلدان الخليج الستة مصدراً لـ 60 في المئة من تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج.ويشكّل السياح القادمون من السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت 35.3 في المئة من إجمالي القادمين العرب إلى لبنان ونحو 12.3 في المئة من الإجمالي العام للقادمين. والسياح السعوديون يمثلون 25 في المئة من إجمالي انفاق السياح في لبنان، بينما السياح من الإمارات وقطر والكويت والبحرين، يستحوذون على 20 في المئة من الانفاق السياحي في لبنان.وتمثّل الاستثمارات المباشرة من رعايا البلدان الخليجية ما بين 75 و80 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) في لبنان. وإن اللبنانيين العاملين في بلدان الخليج يستحوذون على حصة أساسية ومهمة من إجمالي المودعين غير المقيمين في المصارف اللبنانية. وبحسب مركز الدراسات الاقتصادية في غرفة بيروت وجبل لبنان،تبقى المملكة العربية السعودية المصدر الاكبر للتحويلات الى لبنان حيث تشكّل نسبة 20% من مجموع التحويلات المالية الى لبنان. الولايات المتحدة الاميركية تأتي في المرتبة الثانية وهي مصدر 16% من التحويلات الخارجية الى لبنان.وإن كل زيادة بنسبة واحد في المئة في إيرادات الاقتصادات الخليجية تنتج منها تقديرياً زيادة مماثلة في الناتج المحلي اللبناني من خلال التحويلات إلى لبنان بحسب صندوق النقد الدولي. ووفقا لغرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان، تأتي 50% من تحويلات اللبنانيين المغتربين من السعودية، حيث يُقدّر عدد اللبنانيين بحوالي 300 ألف شخص من أصل 500 ألف لبناني يعملون في دول مجلس التعاون الخليجي. كما يعمل في السعودية، 600 مستثمر لبناني بإجمالي رأس مال يُقدّر بـ 50 مليار دولار. وكان رئيس اتحاد الغرف اللبنانية ورئيس غرفة الصناعة والتجارة في بيروت وجبل لبنان محمد شقير، قد أكد أن صمود لبنان الاقتصادي يستفيد كثيراً من التحويلات المالية من الخارج، وقدّر تلك التحويلات بنحو 8 مليارات دولار سنوياً، تأتي 4 مليارات من السعودية ونحو 2.6 مليار من دول الخليج الأخرى و1.4 مليار من دول العالم الأخرى.

من المؤكد أن تداعيات وقف التحويلات المالية من السعودية الى لبنان ستكون لها تداعيات سلبية على الوضع الاقتصادي بشكل عام، حيث استؤنف العام 2016 بهبوط حاد في التدفقات المالية بنسبة 27,3% في كانون الثاني 2016 مقارنة بالشهر نفسه من العام 2015، وتراجعت التدفقات من 811 مليون دولار في كانون الثاني 2015 الى 589 مليون دولار في كانون الثاني 2016، فإن الارقام ستواصل الهبوط وستزداد المؤشرات تعقيداً. وإذا تراجع تدفق التحويلات من الخارج، والتي تفوق نسبتها حالياً عشرة في المئة من إجمالي الناتج المحلي اللبناني في السنة، سوف تنخفض أكثر فأكثر احتياطات العملات الأجنبية المتوافرة لتثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية من جديد. ناهيك في ظل غياب الحكومة ستتوقف العديد من المشاريع الانمائية والتي كانت قيد البحث منها على سبيل المثال الكهرباء، بالإضافة إلى غياب إمكان إعداد موازنة 2018 وما تحمله من إصلاحات مالية واقتصادية. وتشير التوقعات إلى انخفاض في معدل النمو الاقتصادي حتى الصفر، وقد يتحوّل إلى سالب إذا اتخذت الأزمة منحىً تصاعدياً.

*باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني