تقرير بنك عوده عن الاقتصاد اللبناني في الفصل الثالث من العام 2017

9 تشرين الثاني 2017 | 13:08

المصدر: "النهار"

  • المصدر: "النهار"

مال.

عقب الانتهاء من إعداد هذا التقرير، شهدت البلاد حدثاً غير متوقع تمثل باستقالة رئيس مجلس الوزراء سعد #الحريري، وهو تطور شكل صدمة للبلاد على أوسع نطاق. ففي حين أن مثل هذا الحدث لا يمكن إلا أن يترك بصماته على الاقتصاد الوطني، على الأقل في المدى القريب، إلا أنه من المبكر التطرق إلى تداعياته المحتملة. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هذا التطور يأتي في فترة تتسم فيها الأسواق المالية بوضعية مؤاتية من حيث عناصر الحماية والمكانة المالية. فالموجودات الخارجية لدى مصرف لبنان هي اليوم عند مستوياتٍ قياسية، كما أن وضعية السيولة لدى المصارف في مستوى ملائم. وفيما يلي تقويم سنوي للظروف الاقتصادية في الأشهر التسعة الأولى من العام 2017، قبيل هذا التطور المستجد. 

وفق تقرير أعدّه بنك عوده، فقد شهد الاقتصاد الحقيقي في لبنان تحسناً طفيفاً هذه السنة بالمقارنة مع العام 2016، وإن لا يزال الاقتصاد الوطني يعاني من فجوة لافتة مع الناتج الممكن تحقيقه ومستوى العمالة الكاملة. فالمؤشر الاقتصادي العام الصادر عن مصرف لبنان، وهو متوسط مثقل لعدد من مؤشرات القطاع الحقيقي لتقويم الأداء الماكرو اقتصادي، نما بمتوسط سنوي نسبته 5.8% في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2017، مقابل نمو بنسبة 4.7% في الفترة المماثلة من العام 2016. في هذا السياق، توقع مصرف لبنان أن يبلغ النمو الاقتصادي 2.5% للعام 2017 وذلك من 2.0% في العام السابق، في حين توقع صندوق النقد الدولي أن يصل النمو إلى 1.5% في العام 2017 وذلك من 1.0% في العام 2016.

إن التحسن الطفيف في النشاط الاقتصادي هذه السنة مدعوم بشكل أساسي بالقطاعات الاستهلاكية أكثر منها الاستثمارية. ومن بين القطاعات الاستهلاكية نذكر قطاع السياحة الذي شهد تحسناً في الأداء انطلاقاً من قاعدة ضعيفة، بحيث ازداد عدد السياح بنسبة 11%، ما رفع معدل إشغال الفنادق من 58.9% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2016 إلى 65.2% في الفترة المماثلة من العام 2017.

أما نسبة الاستثمار إلى الناتج، والتي تقلصت من 31% في العام 2010 إلى ما يقارب 23% في العام 2016، فلم تشهد أي تغير يذكر عن نسبة العام 2016 لاسيما في ظل المخاطر المحدقة والمستمرة والتي تساهم في تأجيل القرارات الاستثمارية الكبرى في البلاد. فحالة الترقب والتريث لا تزال سائدة في أوساط المستثمرين المحليين، في حين أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تقلصت بنسبة 32% خلال السنوات الست الماضية، لا يبدو أنها استفادت من تحسن المناخ السياسي عقب التسوية السياسية المحلية في الفصل الأخير من العام السابق.

من هنا، فإن النظرية الكمية للنقود لا تزال تدعم هذا التحسن الطفيف في الأداء الاقتصادي، إذ أن نمو الكتلة النقدية الذي سجل نسبة 8% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، عوّض جزئياً التقلص في سرعة دوران النقد بنسبة 7% في ظل شبه انعدام في نسبة التضخم، ما ولّد نمو إيجابي في الناتج الحقيقي. ويأتي هذا التراجع في سرعة دوران النقد بنسبة 7% في سياق مراوحة نسبية في حركة الشيكات المتقاصة، في حين أن قاعدة الودائع المصرفية نمت بمتوسط مرتفع ناهز 8% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2017 بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2016. من جهة أخرى، سجلت نسبة التضخم متوسطاً سنوياً قدره -0.3% في أيلول 2017.

كما وإن تطور مؤشّرات القطاع الحقيقي يدعم هذا التحسن النسبي في النشاط الاقتصادي، فمن بين المؤشّرات التي سجّلت ارتفاعاً نذكر قيمة المبيعات العقارية (+16,3%)، إنتاج الكهرباء (+15,7%)، عدد السيّاح (+11,3%)، عدد المسافرين عبر المطار (+8,9%)، المساحة الإجمالية لرخص البناء الجديدة (+3,0%). ومن بين المؤشرات التي سجلت تراجعاً نذكر الصادرات (-3,6%)، حجم البضائع في المرفأ (-3,1%)، عدد مبيعات السيارات الجديدة (-2,2%)، تسليمات الإسمنت (-1,9%)، الواردات (-1,6%) وقيمة الشيكات المتقاصة (-0.7%). عليه، وفي حين أن أحجام نسب نمو المؤشرات الإيجابية تفوق تلك السلبية منها، فإن الوتيرة الإجمالية لتغيّر مؤشرات القطاع الحقيقي تشير إلى تحسن، وإنما غير ملحوظ، في النشاط الاقتصادي بشكل عام.

هذا وأظهرت أرقام القطاع المصرفي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي مراوحة في وتيرة نمو الودائع المصرفية مع ارتفاع في نسبة دولرة الودائع، وتراجعاً في وتيرة نمو التسليفات مع انخفاض في نسبة دولرة التسليفات، وتقلصاً طفيفاً في سيولة المصارف في الخارج قابله ارتفاعاً في الموجودات الخارجية لدى مصرف لبنان خلال تلك الفترة. في الواقع، ارتفعت الودائع المصرفية بمقدار 6.6 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2017، مقابل نمو مماثل خلال الفترة المماثلة من العام السابق والتي كانت قد شهدت في حينها تقديم رزم جاذبة من جاتب المصارف اللبنانية في سياق الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان. أما التسليفات المصرفية فلم يتواكب مع وتيرة التحسن تلك، إذ نمت التسليفات الممنوحة للقطاع الخاص بمقدار 1.7 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2017، مقابل نمو بمقدار 2.4 مليار دولار في الفترة المماثلة من العام الماضي. أما سيولة القطاع المصرفي في الخارج فقد سجلت تراجعاً صافياً هذا العام، إذ تقلصت بمقدار 1.1 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2017، وإنما ترافقت مع نمو في الموجودات الخارجية لدى مصرف لبنان بقيمة 3.3 مليار دولار خلال الفترة.

وعلى صعيد أسواق الرساميل، شهدت البورصة وسوق السندات أداءً متفاوتاً هذه السنة. فأسعار الأسهم المدرجة في بورصة بيروت انخفضت بنسبة 6,7% في ظل انخفاض القيمة الإجمالية لعمليات التداول بنسبة 20,5%، وذلك من 606 مليون دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2016 الى 482 مليون دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2017. في موازاة ذلك، تقلّصت هوامش مقايضة المخاطر الائتمانية من فئة خمس سنوات بمقدار 31 نقطة أساس في الأشهر التسعة الأولى من السنة الحالية لتصل إلى 447 نقطة أساس في نهاية أيلول، ما عكس تحسّناً نسبياً في نظرة الأسواق الى المخاطر السيادية بشكل عام.

في ما يلي تحليل مفصل لتطورات القطاع الحقيقي والقطاع الخارجي والقطاعين العام والمالي، في حين تتطرّق الملاحظات الختامية إلى تقويم معمّق لتداعيات الإقرار الأخير لسلسة الرتب والرواتب على الاقتصاد الوطني.

الخلاصة: سلسلة الرتب والرواتب الجديدة في لبنان – تحليل التداعيات

بعد خمس سنوات من المناقشات الداخلية، أقــرّ مجلس النواب سلسلة الرتب والرواتب التي طال انتظارها من قبل موظفي القطاع العام والقوات المسلّحة. بحيث تقدّر الكلفة السنوية لهذه السلسلة بـقيمة 1,200 مليار ليرة لبنانية (800 مليون دولار)، إضافةً إلى إعطاء المتقاعدين معاشات أعلى مقسّطة على ثلاث سنوات (600 مليون دولار). وفي جلسة تشريعية ثانية، أقــرّ البرلمان مجموعة من الضرائب الرامية الى تحصيل إيرادات مقدّرة بنسبة 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي من أجل تمويل سلسلة الرواتب الجديدة.

عليه، وفي خضم سلسلة واسعة من التحاليل التي تناولت سلسلة الرتب والرواتب والتي أفضت عن قراءات متناقضة لنتائج هذا التطور غير النمطي، تتركز قراءتنا لتداعياته على مستوى المالية العامة، الاقتصاد والحسابات الخارجية والتخم والقطاع المصرفي حول ما يلي:

على صعيد تأثيرها على المالية العامة، لن يكون لإقرار سلسلة الرتب والرواتب تأثير بالغ على عجز المالية العامة ذاك أن الإنفاق الإضافي بقيمة 1,800 مليار ليرة عادلته إيرادات بنفس القيمة تقريباً من خلال 18 بنداً للإيرادات والتي نقدر مفاعيلها بنحو 1,780 مليار ليرة، علماً أن زهاء نصفها مرتبط بالقطاعين المصرفي والعقاري. لا شك أن أبرز التغيرات في حسابات الدولة ستظهر في ارتفاع الإنفاق الحكومي من 28.3% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 30.5% نتيجة زيادة رواتب موظفي القطاع العام والتي تشكل حالياً 36% من مجموع الإنفاق الحكومي بالمقارنة مع 31% سابقاً، وارتفاع الإيرادات الحكومية إلى 21.8% من الناتج المحلي الإجمالي بالمقارنة مع 19.6% سابقاً على إثر الضرائب الإضافية.

على صعيد تأثيرها على الاقتصاد، إن الضرائب المفروضة سيكون لها تأثير انكماشي على النمو الضعيف للاقتصاد اللبناني. مما لا شك فيه أن الرواتب الجديدة للقطاع العام ستحفز الإنفاق الأسري داخل الاقتصاد، ولا سيما الإنفاق الاستهلاكي من قبل المستفيدين، غير أن رفع الضرائب سيكون له تأثير سلبي على استثمارات القطاع الخاص بسبب تزايد الكلفة التشغيلية للأعمال. ويأتي ذلك في سياق مناخ يكتسب فيه مضاعف الاستثمار أهمية أكبر من مضاعف الاستهلاك، ما قد يولد تأثيراً انكماشياً وإن طفيفاً على المستوى الماكرو اقتصادي عموماً والذي نقدره بنحو نصف نقطة مئوية للنمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي سنوياً، في موازاة بروز ضغوط على مسار خلق الوظائف.

على صعيد تأثيرها على الحسابات الخارجية، قد تؤدي المصادقة على سلسلة الرتب والرواتب إلى زيادة الواردات نتيجة ارتفاع الطلب الاستهلاكي إضافة إلى تراجع الصادرات نتيجة ارتفاع الكلفة التشغيلية. وقد يكون لذلك تأثير مزدوج على العجز التجاري في لبنان والذي وصل إلى مستوى مرتفع نسبته 30% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يشكل ضغطاً على ميزان المدفوعات الذي راكم عجوزات مقدارها 9.4 مليار دولار منذ العام 2011.

على صعيد تأثيرها على التضخم، إن المصادقة على سلسلة الرتب والرواتب قد يكون لها تأثير مزدوج، ذاك أن الإنفاق الإضافي داخل الاقتصاد سيشكل ضغطاً على الأسعار كما أن معدلات الضريبة المرتفعة ستؤدي إلى ارتفاع أسعار الاستهلاك والأقساط المدرسية. من المقدر أن التأثير على مؤشر الأسعار سيناهز 4% هذا العام ولكن ذلك انطلاقاً من نسبة تضخم شبه منعدمة. الجدير ذكره أن التضخم سجل نسباً سلبية في العامين 2015 و2016 مقدارها -3.7% و-0.8% على التوالي في ظل الأسعار المتدنية للنفط ووهن الطلب. بمعنى آخر، إن باستطاعة الاقتصاد اللبناني أن يتحمل ارتفاعاً طفيفاً في الأسعار بعد فترة شبه ركود في الأسعار شهدها لخمس سنوات متتالية، حيث أن مؤشر الأسعار الحالي استقر اليوم عند نفس مستواه في نهاية العام 2012.

 على صعيد تأثيرها في القطاع المصرفي، إن المصادقة على سلسلة الرتب والرواتب سيكون لها تأثير على القطاع المصرفي من خلال أربعة ضرائب مختلفة هي: زيادة الضريبة على فوائد الودائع المصرفية من 5% الى 7%، إلغاء الحسومات الضريبية المرتبطة بالتوظيفات في سندات الخزينة وشهادات الايداع (ما يعني ترسيخ الازدواجية الضريبية)، وزيادة الضريبة على أرباح الشركات من 15% الى 17%، وإلغاء الحوافز للشركات المدرجة في البورصة من 5% إلى 10%. عليه، سيتجلى التأثير الصافي لهذه الضرائب في حسم 300 مليون دولار إلى 325 مليون دولار من الأرباح المحلية للقطاع المصرفي البالغة قيمتها 2 مليار دولار، ما يعني حسم 15% من الأرباح والذي سيشكل ضغطاً على نسب العوائد عموماً والتي هي أصلاً دون تكلفة الأموال الخاصة (12% مقابل 16%).

أخيراً، في حين أن المصادقة على سلسلة الرتب والرواتب سيكون لها تأثير على أكثر من صعيد، نرى أنه لن يكون لها تداعيات سوقية خطرة من شأنها أن تؤثر على الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان والذي ظل سائداً لنحو ثلاثة عقود داخل اقتصاد يتمتع بعناصر حماية جمّة وخطوط دفاعية متينة على المستوى النقدي والمصرفي عموماً.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard