هل مات عنترة؟

8 تشرين الثاني 2017 | 11:39

"... كل الشبابيك عليها صور لعنترة ... كل الميادين هنا تحمل اسم عنترة ... عنترة يقيم في ثيابنا... في رزمة الخبز... في زجاجة الكولا... وفي أحلامنا المحتضَرة...". هذا مقتطف من إحدى قصائد نزار قباني... ترى من هو عنترة؟ 

عنترة شخصيّة تاريخيّة حقيقيّة عرفت في العصر الجاهلي، وهو عنترة بن شداد العبسي شاعر وفارس أشوس يضرب المثل بشجاعته وبسالته في الحرب، وبطل للعديد من القصص على مر الزمن حتى يومنا هذا، وإذا أريد التشبيه بشخص مقدام يقال عنه عنتر.

أما "الأحلام المبعثرة" التي أشار إليها نزار قباني فيكمن فيها أبطال آخرون تنتشر صورهم في كل الأرجاء، لا سيما الأحياء الشعبية الفقيرة والبائسة، لا في تلك التي يقطنها أهل الثراء أو مخمليو المال أو الثقافة. أموال توظف لا من أجل النهوض بتلك الأحياء المحتاجة وتوفير فرص عمل لشبابها، بل لحملات إعلانية للساسة الأقوياء.

وبما أنّ الدستور كفل للجميع حرية التعبير وحرية الرأي والانتماء السياسي وكذا العمل به، هناك سؤال يطرح نفسه هل تحوّل الانتماء الحزبي من الولاء للفكر والنهج إلى الولاء لشخص الرئيس أو الزعيم؟ ما الهدف من الفسيفساء الحزبية، هل هي تنوع الأفكار والرؤى السياسية أو محاصصة في النفوذ يورث ويورث ويورث؟

هل القائد الذي يستحق هذا اللقب يرضى بنشر صوره بهذا الشكل المفرط، فيما لو تفقّدنا هاتفه المحمول لكُنّا بالكاد نرى صورة له مع عائلته لا بمفرده؟ أليس من طبع القادة التواضع والتفاني وإيثار القضية على النفس والولد والمال وذلك كله في سبيل الأمة؟ أما القادة الذين ليسوا على قيد الحياة فهل هذا ما يرضيهم وهل معيار العظمة وتخليد الذكرى بكثرة الصور أو بالتضحية؟

هل القائد الذي لا نقبل لشخصه الميمون أن يمسّه أحد، ولو بكلمة، قد التزم عهوده ووعوده؟ هل أمّن المستوى اللائق لناخبيه أو مؤيديه، على الأقل الحدّ الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ وهل مثّل الأمّة بالطريق التي رسمها له القانون أم بنسخة معربة مفادها "أنت أو لا أحد"؟

نحن شعوب إذا أحبّت القضية خلّدت أبطالها بكل إخلاصٍ وتفان ٍ... شعوب آمنت بالعدوّ الوهمي صنيعة أولئك القادة... شعوب تحب بصدق وتكره بصدق... لا تضنّ على قضاياها بمالٍ أو بنين...

حبذا لو يكون الولاء للقضية لا للصورة... فالصورة لا تردّ لنا شهيداً أو تحرر لنا سجيناً، ولا تؤمّن فرص عمل لشباب متخرّج كُفء ولا تدفع فاتورة الهاتف... الصورة لا تكفينا خبز يومنا ...

حبذا لو يخرج عنترة من حياتنا ويلتزم مكانه في الشعر والفروسية... لا في البيت عنترة... ولا بين أبناء الحي عنترة... ولا في العمل عنترة... ولا في مقهى الرصيف البائس عنترة... حتى في السجون لم يستسلم عنترة !! ومتى سيموت فكر عنترة؟


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard