سياسة الحكومة الضريبية وتأثيرها على الاستقرار المالي والاقتصادي

7 تشرين الثاني 2017 | 13:26

المصدر: "النهار"

السياسة الضريبية هي عبارة عن مجموعة من الأهداف التي تسعى الحكومة لتحقيقها وتالياً لها انعكاسات مهمة على النشاط الاقتصادي والمالي والاجتماعي والسياسي ويمكن تلخيص أبرز هذه الأهداف بالآتي: 

1) تمويل الإنفاق الحكومي

2) تحقيق النمو الاقتصادي من خلال التدفق الملائم لرؤوس الأموال باتجاه الاقتصاد المنتج والحقيقي

3) استقرار أسعار السلع والخدمات

4) تخفيض العجز في الموازنة

5) تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية

أمَا في لبنان، فإن النظام الضريبي يشبه الأنظمة الموجودة في الدول النامية والتي تعتبر فيها معدّلات دخل الفرد بالنسبة الى الناتج المحلي متدنّية بينما يصنّف لبنان من بين الدول حيث نسبة الدخل الفردي إلى الناتج المحلي تعتبر متوسطة. من أبرز أسباب تخلّف النظام الضريبي في لبنان هو اعتماده بنسبة تفوق 75% على الضرائب غير المباشرة بينما لتحقيق الأهداف الإنمائية يجب أن تتركّز الضرائب على الدخل والثروة ورأس المال وإعادة توجيه جزء كبير من الواردات الضريبية نحو الإنفاق الاستثماري. فالإنفاق الحكومي موزّع بأغلبيته على خدمة الدين (31%)، ورواتب وأجور (32%)، وتحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان (9%) وتالياً فإن الإنفاق الاستثماري هو أقل من (10%). كما أن نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي هي نحو 15% بينما تبلغ هذه النسبة في بلدان مماثلة للبنان نحو 26%، تالياً فإننا نرى أن الدولة بسبب التهرب الضريبي تلجأ إلى الخيار الأسهل وهو الضرائب غير المباشرة والتي تطاول الفئات المحدودة الدخل ما يؤثّر سلباً في القدرة الشرائية للمواطن. وتالياً على الحكومة تطوير النظام الضريبي بالاعتماد على ما يسمى (ضرائب الدخل الشخصي)Personal Income Taxes.

ماذا عن الاقتراحات الضريبية الجديدة، وبالأخص تلك التي تطاول فوائد المودعين؟ وهل سينعكس ازدياد الضريبة على الفوائد سلباً على المصارف وعلى الاستقرار المالي؟ للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من مناقشة الدور الأساسي للمصارف في النّمو الاقتصادي وأسعار الفوائد في لبنان ومدى تأثيرها في الإيداعات المصرفية. تعتبر المصارف المحرّك الأساسي للاقتصاد، فهي من خلال التخصيص الفعّال للموارد المالية توفّر السّيولة اللازمة للاستثمارات المربحة والتي تؤدّي إلى إيجاد فرص عمل في السّوق. وطبعاً عندما نتكلم عن التخصيص الفعّال لرؤوس الأموال نعني بذلك نسبة القروض الممنوحة من المصارف إلى القطاع الخاص على اعتبار أن تمويل القطاع العام هو بأغلبيته تمويل استهلاكي وغير استثماري. أما في لبنان، فإن النسبة الأكبر من القروض تتّجه إلى تمويل القطاع العام (أكثر من 60% من ارباح المصارف اللبنانية هي من عوائد سندات الخزينة) وتالياً تحرم القطاع الخاص ولا سيما القطاعات الأساسية كالصناعة والزراعة من التّمويل الكافي لإيجاد مزيد من فرص العمل. كما أن جزءاً من القروض الممنوحة من المصارف للأفراد هي قروض استهلاكية (باستثناء القروض العقارية) تزيد من عجز الميزان التّجاري باعتبار أن معظم هذه القروض تنفق على سلع مستوردة. من هنا نرى أن على الدولة تأمين بيئة استثمارية أفضل لتشجيع القطاع الخاص على الإستثمار في القطاعات الحقيقيّة المنتجة والعمل على تحفيز المصارف على الاستثمار أكثر في القطاع الخاص المنتج والمولّد لفرص العمل.

بناءً على ما تقدم، هل زيادة الضريبة على الفوائد تخفض من قدرة المصارف على اجتذاب الودائع وتالياً على قدرة المصارف على تمويل القطاع العام والخاص معاً؟ لقد بيّنت الدراسات العلمية أن عوامل عدة، غير الفوائد والضريبة على الفوائد، كرأس المال والملاءة والاستقرار المالي والنقدي هي التي تجذب الودائع. طبعاً للفوائد دور ولكن إذا ألقينا نظرة سريعة على مستوياتها في لبنان نلاحظ أنها مرتفعة جداً مقارنة بالفوائد الممنوحة في الخارج، وتالياً يجب الا يؤدّي رفع الضريبة على الفائدة بنسبة %2 إلى هروب أو خسارة ودائع مصرفية. لا بل إن الخوف الأكبر على المصارف والدولة معاً يأتي من العجز المتراكم في الموازنة والذي بلغ نحو %8.8 من الناتج المحلي. إن هذا الخوف مبرّر لسبب أساسي هو إن عدم قدرة الحكومة على السّيطرة على العجز المتراكم في الموازنة من شأنه أن يؤدّي إلى أزمة مالية واقتصادية، كتلك التي حدثت في الأرجنتين بين عامي 2001 و2002 وروسيا عام 1998 وتركيا عام 2001. جميع هذه الأزمات كانت تحمل في طيّاتها سبباً أساسيّاً وهو العجز المتراكم في الموازنة وتشجيع المصارف على تمويل هذا العجز. فعدم قدرة الحكومة على السيطرة على العجز من شأنه أن يبعث بإشارات سلبية إلى المستثمرين الذين قد يفقدون الثّقة بالحكومة وبقدرتهاعلى سداد التزاماتها مما يؤدّي إلى عمليات بيع واسعة للسندات الحكومية وإلى انهيار قيمة العملة المحلية وإلى هبوط في قيمة الموجودات في ميزانيّة المصارف التي قد تفقد القدرة على إعادة تمويل القطاع العام والخاص. كما أن زيادة أسعار الفائدة في هذه الحالة لجذب الودائع قد يؤدّي إلى مزيد من التّدهور الإقتصادي.

بالخلاصة لا بدّ من العمل جديًّا على تخفيض العجز والذي يعتبر تهديداً جدياً للحكومة وكذلك للمصارف كي تبقي قدرتها على استقطاب الودائع المصرفيّة.


يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني