روائح النفايات تفتك بطرابلس ... والحلول غائبة !

3 تشرين الثاني 2017 | 14:28

المصدر: "النهار"

تصاعدت روائح النفايات بقوة في طرابلس في الأسبوعين المنصرمين، وتوقفت نسبيا قبيل الاعتصام الذي نفذه ناشطون في جمعيات أهلية بعد ظهر أمس استنكارا لانبعاث الروائح، ومطالبة بإيجاد حل للنفايات في المدينة.

لم يكن تصاعد الروائح جديدا، أو لأول مرة، كما أنه ليس خافيا أن مكب طرابلس تجاوز الحد الأقصى المسموح به، أي من ٣٠ مترا ارتفاعا، إلى ٤٢ مترا، ولا يزال التراكم مستمرا. لكن الاعتصام جرى ليس استنكارا لما يعرفه كثيرون عن واقع المكب، بل كان صرخة تصاعدت في لحظة ذروة الروائح التي اقفلت شبابيك المدينة من أقصاها إلى أقصاها.

الأسباب التي اطلقت شرارة الصرخة انحصرت بالقليل مما يعانيه المكب، ومن الدوافع لتحرك المجتمع المدني الذي كان خجولا من حيث المبدأ، ربما لأن الناس صارت مقتنعة بأن "لا حياة لمن تنادي"، خصوصا أن المشكلة تتفاقم، والمطالبات السابقة من هيئات بيئية وصحية لم تلق أي صدى.

المهم في موجة الروائح التي يصح وصفها بـ"القاتلة" أنها استجمعت مختلف الأسباب التي أدت الى الانبعاثات الكريهة والخطيرة، ولم يكن هناك سبب واحد محدد، بل أسباب متعددة لم يجر تحقيق فعلي لمعرفتها ، لكن يمكن تلخيصها بمشكلة النفايات في طرابلس، ومن ضمنها المكب، وما يتعلق به من شؤون وشجون.


في بداية انفجار الأزمة، قيل إن جانبا من جدار دعم المكب قد انهار، وانسلخ جزء من النفايات أدى إلى الانبعاثات. ثم قيل إن أكواما جديدة وفدت إلى المكب، عملت الجرافات على فلشها، فأحدثت الروائح. آخرون قالوا إن معمل الفرز قرب المكب يفترض تسبيخ الجزء العضوي من النفايات، ويتطلب ذلك فلشها في العراء خمسة عشر يوما قبل معالجتها، مما ادى إلى الانبعاثات. وثمة من قال إن هناك تشققات في الجدران، ولم يكن هناك انهيار، ويجري العمل على إصلاحها، وتعزيل المجارير في المكب، بهدف تسهيل مرور سيول الأمطار التي كانت مرتقبة قبل ان تتسبب بمشاكل اكبر.

وفي جولة في محيط المكب، لاحظت "النهار" أن حائط الدعم للمكب ليس مدمرا، وأن جزءا منه مدعم، والباقي سليم، لكن الملاحظ أن جرافة ضخمة كانت تعمل على فلش النفايات أعلى المكب الذي ظهر في أسفل منحدره الشرقي انسلاخ قديم، لكنه لا يعفى من انبعاث الروائح. أما على المنحدر الشمالي، فبدا انسلاخ كبير قد تكون الأمطار ساهمت في تثقيله، فحصل الانهيار، وليس غريبا أن تنبعث كميات كبيرة من الروائح منه. قرب المكب مصب نهر أبو علي حيث بدت مياهه سميكة وثقيلة بسبب تسرب السيول من المكب إليه، فتتجمع فيه النفايات، وهو مصدر للتلوث البيئي والصحي والروائح الكريهة، وقربه أيضا لجهة الجنوب مصنع فرز النفايات وتسبيخها في العراء.


المرجح، وحتى إجراء تحقيقات علمية ورسمية كافية، أن كل هذه المعطيات تتجمع لتوضح سبب المشكلة. والبداية من واقع حال المكب، يشرحه الدكتور جلال حلواني، رئيس قسم الصحة والبيئة في كلية الصحة في الجامعة اللبنانية في طرابلس، الذي أوضح أن "مشكلة المكب هي أنه وصل الى الحد الأقصى لاستيعاب النفايات فيه، ولم يعد باستطاعة الشركة المتعهدة تغطيته بالرمال والأتربة".

حلواني عاد إلى العام ١٩٩٨ "حين بدأت الحرائق والانبعاثات الغازية، ووضعت خطة لإصلاحه، وفي العام ٢٠٠٠ تم تغليفه، وإنشاء محطة حرق الغاز المنبعث من داخله، وبناء حائط الدعم حوله لتثبيته، ومنع الانهيارات فيه، ومحطة لمعالجة الوحول، وهي إجراءات أتاحت تمديد العمل بالمكب لعشر سنوات، على أن يتوقف بعد ذلك، ليصار إلى تأمين بديل. لكن البديل لم يتوافر، حتى العام ٢٠٠٥، وما جرى كان ترقيعات شكلية خدمت حتى الـ ٢٠١٠، واستمر المكب متحملا الضغط حتى عام ٢٠١٣ حيث بدأت علامات الخطر تظهر فيه".

ثمة سبب ثانٍ بنظر حلواني لأزمة الروائح، هو"معمل الفرز غير المؤهل بالمواصفات المعتمدة عالميا، خصوصا لناحية الروائح بسبب غياب البيو-فيلتر منه، وما يجري هو تخمير هوائي يتطلب خمسة أسابيع، وتتصاعد روائح قوية جدا في الأسبوعين الأولين من التخمير، والفترة المتبقية نسميها فترة التسبيخ والتأليب لسحب المياه"، مضيفا إن "المعمل ليس لديه طاقة استيعاب كافية لكل النفايات، لذلك يبقى هناك نفايات في الخارج بانتظار نقلها إلى الداخل، وأحيانا تنقل النفايات إلى المكب بدون أي فرز بسبب امتلاء المعمل".

وأصدرت شركة "باتكو" متعهدة تشغيل مكب النفايات في طرابلس بيانا أكدت فيه كلام حلواني عن دور معمل الفرز، ورأت ان "سبب ما عانته المدينة من انبعاث روائح يعود إلى عملية التسبيخ التي انطلقت في الأشهر الأخيرة، ولا يمت بصلة إلى عملية الطمر".

 وقال البيان: "إن ما يحدث حاليا يعود بشكل أساسي إلى ملاصقة المطمر لمعمل التسبيخ الجديد، حيث تتكدس المواد المخمرة في الهواء الطلق"، مشيرا الى إن "معالجة المواد العضوية عبر التسبيخ الهوائي بشكل سليم تحتاج إلى مدة زمنية غير متوافرة نظرا لضيق مساحة معمل التسبيخ، مما يؤدي إلى تكدس المواد العضوية، وعدم اكتمال عملية معالجتها، فتبدأ مرحلة تخمر لاهوائي تنتج منها روائح شبيهة بتلك التي تم رصدها أخيرا في المدينة وجوارها".

معمل الفرز

في معمل الفرز، رفض لكل مقولات اتهامه بالروائح، ويشرح المشرف عليه من قبل الشركة المتعهدة له (AMB Contracting)، هشام ملاعب، ان "المعمل يستقبل يوميا ما بين ٣٥٠-٤٥٠ طنا هي نفايات مدن اتحاد بلديات الفيحاء، وبعض المناطق الأخرى، ويتم فرزها بالكامل وفق آلية تتولاها معدات تقنية، ويجري الفرز فيها على مراحل عدة، وعند المرحلة الأخيرة، تبقى المواد العضوية التي يجري تسبيخها لمدة أسبوعين كخطوة أولى، ويتم ذلك في العراء، ثم تجري معالجتها بعد ذلك وفق الشروط التقنية المطلوبة".

وقال إن "فلش النفايات لتسبيخها تتسبب ببعض الروائح، لكن ليس بالحجم الذي ظهر أخيرا من المكب"، نافيا أن يكون السبب هو معمله، "فهي ليست المرة الأولى التي تجري فيها هذه العملية".

 وأضاف:"هناك عدد من أنواع النفايات لا تدخل مصنعنا كفضلات اللحوم، وتنقل كما هي إلى المكب لطمرها، وأحيانا يستغرق الأمر وقتا ليتم ذلك، إضافة إلى الغازات المنبعثة من باطن المكب. والروائح مجتمعة تنبعث من المكب الذي زاد عن حده الأقصى كثيرا، وتحدث فيه انهيارات، وكان يفترض إقفاله سنة ٢٠١٥، لكنه مستمر حتى اليوم مع ما يشكله من مخاطر".

ويشدد حلواني على "الإسراع في ايجاد البديل، ولا يتوقع أحد أن تكون المعالجة بكبسة زر، والمطلوب ايجاد مطمر صحي".

وحتى ذلك الحين،تبقى طرابلس على مواعيد مع "حفلات" روائح كريهة، متفاقمة، ولا بديل يلوح في الأفق.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard