جيران والحبيبُ الجيد هو الحبيب الميت قبل حبيبته!

30 تشرين الأول 2017 | 16:23

جيران.

فتح البابَ يترقب مَن سيعلن في البيت شيئا من قبيل: "وحيدْ وصل... هيّئي السُّفرة!" إعلانُ الوصول على متعة الوصول عسل بزبد، مع كونه عودة من العمل الرتيب. لكنَّ الصمتَ كانَ سيد المكان. أو تقريبا. لا أحد في الداخل سوى الجيران الأتراك. صادفهم يتبادلون التحيات ويضعون أحذيتهم عند الباب وينتعلون الشباشب. أبدى لهم بسمة تحيةٍ ومضى لا ينتظر جوابا كعادته، مذ صاروا يأتون لمجالسة أهله ومؤانستهم كلَّ يوم، وكلَّ ساعة من دون ملل أو كلل..

اليومَ وجدَ وَحيد الجيرانَ الأتراك وحدهم. جلسوا متقابلين على الأرائك، وتجاذبوا أطراف حديثٍ لم يبدأوه للتو ولن يختموه فورا، رغم حضوره. ربما يدلي لهم برأيه لو استشاروه في لحظة ما، مارًّا من غرفته إلى الحمام أو من البهو إلى المطبخ بحثا عن شيء يُخمد جَوعةً العودة البافلوفية الآلية، وريثما يعود أهل الدار. لكنهم كانوا يتداولون شيئا لم يتبيَّنْ فحواه، وعند كل مرورٍ أمامَهم كان يشعر بحرج إنْ تركَهم أهلُ بيته وحدَهم. أمام غفلتهم عنه عاد وتدارك؛ هذا حرجٌ من دون موضوع؛ الجيران الأتراك لا يُحرجون من البقاء وحدَهم هنا ولا في بيوت الجوار. ليسوا كباقي الجيران حين يحلون ضيوفا. هم خِفافُ الحضور، خِفاف المُؤنة، ويدخلون مباشرة في أحاديثهم ويتشعبون فيها غير عابئين بعزلتهم الجماعية. وأحيانا لا يبالون بالانكشاف ونشر غسيل الأسرة على ملأ، وقد يتشاجرون بالضرب والجَرح والسلاح. وإياك أن تتدخل بينهم، وأنّى لك... لديهم مسدسات يشهرونها في لحظات الغضب العارم. هل تحسبهم مثل بلدك حيث قطعةُ سلاح صغيرة تجرّ أكبر جَريرَة؟

دخل المطبخَ يخاطبُ نفسَه في انفعالٍ مكتوم: "يا أخي ما لي وللسلاح... أنا جائع... هذه مشكلتي... أريد فقط شيئا أضعُه بين قوارضي..". ترى هل ضجر من حضورهم؟ أم أنه الجوع فحسب لم يترك له وقتاً لمجالستهم. لكنهم ألفوا اللامبالاة، بل هم اللامبالون بامتياز. مزاجُهم تتعاقب عليه الفصول الأربعة في ساعة واحدة. يصيرون أشرارا جملةً واحدة ثم يصيرون أخياراً جملة واحدة. والتقسيط بالتقسيط. وقد يأتي أحدُهم مصاباً بطلقةٍ يحمل جُرحَه الغائر، يركض بحثا عن طوبى خانوم حبيبتِه وزوجة صهر أخيه غير الشقيق من أمٍّ هي حبيبة أبيه؛ ثم في الشرفة العالية، يُمسك يدَها بعنفوان الحب، يَخضِبُها بحناء من دمه، يقول لها ما لم تسمعه محبوبة من حبيب مقتولٍ لا محالة. وحبيبتُه تمسح كلَّ مكانٍ دامٍ منه تبركا بمشروب العشاء الأخير الأحمر. الحبيبُ الجيد هو الحبيب الميت قبل حبيبته، قبل أن يذيقها قسوة هَجرِه، وأشرفُ الحبِّ ما قتلَ قبل الوصال. وشتان بين وصالٍ قاتل ووصول اعتيادي إلى البيت.. يا وحيد؟

جائعا مُتعبا، وحتى لا يرون على وجهه عُبوسَ الوحدة والإرهاق فيحسَبونه قد كرههم، اغتنم وَحيد لحظة انشغالهم بدخول أبيهم عَبُّودْ بِكْ فجأة، فخالسَهم بجهاز التحكم منْ بُعد وأطفأ شاشة التلفزيون فاندثروا. تأسف وتحسر، لكنه حين سمع صدى أصواتِهم من نوافذ الجيران اطمأن. ما زالوا أهلا وسهلا في الجوار، ريثما يعود أهل الدار.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard