متحف نقولا سرسق... روايات فنيّة تحاكي التاريخ وتنسج من خلالها المستقبل

28 تشرين الأول 2017 | 20:34

المصدر: "النهار"



بعيداً من ضجيج بيروت، يجذب متحف سرسق الصغار والكبار لزيارته في محاولة للبحث عن بعض الهدوء والسكينة، والتعرف إلى روّاد الفن الحديث. بعض المارّة يتمتعون بمشاهدة روعة الواجهة البيضاء الرئيسية للقصر، الأرستقراطية أو اكتشاف سحر هذا المكان الواسع، "الضاحك". 

في الباحة الخارجية الرئيسية للمتحف، مقهى ثقافي وفني يتمتع فيه كلّ منا ببعض الراحة في فضاء رحب يحوي إلى أقصى الشمال منحوتة "المركبة" للنحات ميشال بصبوص، وإلى أقصى اليمين "الباكيتان"، تمثال للشهداء الأوائل صنعه النحات يوسف الحويك عام 1932 تخليداً لشهداء أيار 1916.

صالون الخريف 

للمتحف سحره الخاصّ وأعماله الفنية تؤرخ محطات رئيسة لتطوّر الفن الحديث والمعاصر من أَواخر القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. إذا طالعنا الصفحة الخاصّة عن تاريخ المتحف في الموقع الإلكتروني الخاصّ به، ندرك أهمية "صالون الخريف" أو صالون "دوتون" كأول نشاطات متحف سرسق منذ افتتاحه عام 1961، كان يضمّ فنانين ناشئين ومكرّسين في معرضٍ يتوّج دعوة مفتوحة إلى تقديم الأعمال الفنية هي الأطول في لبنان واختيار الفائزين بجوائز في المعرض. وندرك أيضاً أنّه من أبرز هؤلاء الفنانين الناشئين، الذين شقّوا من خلال مشاركتهم في "صالون الخريف" طريقهم نحو الشهرة، ميشال بصبوص، سلوى روضة شقير، إيفيت الأشقر، إيلي كنعان، بول غيراغوسيان، عارف العبد وعادل صغير وسواهم.

منحوتة تجريدية لسلوى روضة شقير
المتحف... 

يأسرك عند المدخل الرئيسي استقبال ودّي من السيدة شهرزاد عمر، التي تسهل على الزائر وجهته، نحو أقسام المبنى أو تتابع التواصل مع إداريي المتحف. تنتظر ثواني قليلة جداً لتحصل على جواب شاف وواضح على أي سؤال. إلى أقصى صالة الدخول تمثال نصفي لمالك المتحف نقولا إبرهيم سرسق، أوصى عام 1952 بأن يتحول هذا المكان متحفاً للفن... وهذا ما حصل؛ أضحى هذا البيت العريق، الذي سكنه سرسق، متحفاً عام 1961 كما أراده.

يوفر المدخل تسهيلات لدخول ذوي الحاجات الخاصة إلى أقسام المتحف، وهذه "قيمة مضافة" للقيّمين على المتحف، وفقاً لما ذكرته لنا مديرة المتحف زينة عريضة.

تفعّل الإدارة تواصلها مع تلامذة المدارس وطلاب الجامعات لزيارة هذه "الواحة السرسقية". في الطابق الثاني من المتحف، أعمال فنية لمجموعة دائمة، وفقاً لرئيسة المجموعات ياسمين شمالي، اقتنتها إدارة المتحف أو قدمت بعض الفنانين أو المقربين منهم إليه منذ افتتاحه في عام 1961 وتتوزع على ثماني حكايات لزمن فني.

"الحفارة"... والباقون

الحفارة" ايتيل عدنان

ركزت شمالي على أنّ "نشاطات المتحف تصبو إلى تعزيز البحوث في عالم الفن ومدارسه"، مشيرة إلى أننا "نتوق دائماً إلى توثيق التواصل مع الفنانين أو ورثتهم". وشددت على أننا "نجحنا في توطيد علاقة المتحف مع إتيل عدنان، وهي من الفنانين الذين عرضوا أعمالهم في فاعليات "صالون الخريف" في ستينيات القرن الماضي، من خلال زيارة قامت بها مديرة المتحف زينة عريضة لإيتان المقيمة في باريس". وقالت: "أجرت عريضة مقابلة مع عدنان الرسامة، وهي متوفرة في جناح خاصّ لها هو جزء من الروايات الثماني في هذا الطابق". وأثنت شمالي على المجموعة، التي خصت بها عدنان المتحف والمؤلفة من محفورات من تصميمها، وعدد من الـ “leporellos”، وهي كتب على شكل كورديون مصنوعة من أوراق رسم يابانية. وشددت على أهمية "حضورها في المتحف لأنها تجمع بين ريادتها الفنية وثقلها الأدبي ما يجعلها "قيمة" هامّة في المتحف".

"leporellos"

وعدّدت شمالي خلال حديثها بعض محطات من "الروايات" القائمة في الطابق الثاني ومنها محاولة تعريف اللبنانيين في أحد الأجنحة من خلال الفن الساذج، ويتجلى في رسوم خليل زغيب وصوفي يراميان وصولاً إلى رواية أخرى ثمّنت فيها الفن التجريدي في لبنان. وذكرت أنّ "هذا الفن دفع بعض النقاد إلى طرح مقالات عن مكانته وذلك في ستينيات القرن الماضي"، مشيرة إلى أنّ "نيل شفيق عبود في عام 1964 الجائزة الأولى عن عمله التجريدي الوجداني "لعب طفولي" زاد من حدة نقاش النقاد في إمكان فهم هذه المدرسة الفنية الطارئة عليهم".

الفن الساذج بريشة كل من وصوفي يراميان و خليل زغيب

وتوقفت عند معرض الرسام ستيليو سكامانغا، الذي عرض لأعمال تأثر فيها بالأيقونات البيزنطية والفن الإسلامي، إضافة إلى إعطائه مساحة للرسوم التجريدية المكانية المسطحة للرسام سعيد عقل، ما أثار نقاشاً بين سكامانغا والفنانين منير نجم وعادل صغير عام 1971. وشرحت أنّه ضبط بعض إيقاع السجال عندما لجأ الناقد والفنان سمير صايغ إلى استخدام مصطلح "التجريد الشرقي" لتوصيف جهودهم. وشددت أيضاً على رواية خاصة عن فن التابستري الحديث، الذي انطلق من خلال مسابقة من تنظيم المتحف شارك فيها عدد لافت من الفنانين.

بعد التحية... غسان تويني

عميد " النهار" غسان تويني في نشاط ثقافي في الصالة العربية بمشاركة و متروبوليت بيروت للروم الارثوذكس المطران الياس عودة وشخصيات ديبلوماسية و سياسية .

بعد تحية تكريمية في معارض فنية لكبار أمثال أمين الباشا، انتقلنا ومديرة المتحف زينة عريضة إلى البناء التاريخي لمالك المنزل نقولا سرسق ومكتبه، عالمه الخاصّ كما لو كان هنا: كتبه، أحلامه، وكل شيء... حتى لوحة بورتريه عنه، واحدة بريشة الرسام الهولندي كيس فان دونغن وأخرى لفيليب موراني، وصولاً إلى تلك الصالة العربية الشاهدة على نشاطات ثقافية لسرسق. كذلك شددت على أهمية مجموعة فؤاد دباس الفوتوغرافية وهي نافذة لماضي جميل عند العرب وتحديداً صوراً وبطاقات بريدية من الـ 1860 إلى 1960...

غسان تويني و الرئيس الشهيد رفيق الحريري وزوجته نازك ووزير الثقافة الأسبق غسان سلامة في "قلب" متحف سرسق.

بحث عميد النهار الراحل غسان تويني عند تسلّمه رئاسة مجلس أمناء متحف سرسق في خطة توسيع المتحف وترميمه، وتمايز عهده بزخم لافت من النشاطات الثقافية في "قلب" المتحف.

تحدث عن هذه الحقبة رئيس مجلس الأمناء الحالي للمتحف ورئيس لجنة الإدارة فيه طارق متري عن "تطلعات تويني للمتحف، الذي حرص على أن يكون توسيع المتحف، من توقيع المهندس الفرنسي المتخصص في تصميم المتاحف جان ميشال ويلموت، وبالتعاون مع المهندس اللبناني جاك أبو خالد"، مشيراً إلى أنّ "المنزل انتقل خلال تلك الأعوام السبعة الأخيرة، من مساحة 1500 متر مربع، إلى متحفٍ متكامل ومتجانس يمتد على مساحة 8500 متر مربع".

وعن دور بلدية بيروت قال: "لا علاقة للبلدية بالمتحف. لكن رئيس البلدية هو متولي المتحف." وشدد على أنّ "القانون الذي لحظ 5 بالمئة من رسوم رخص البناء في مدينة بيروت دعماً للمتحف تأتي بواسطة البلدية عينها "، مشيراً إلى أنّ "المبلغ لا يغطي النفقات الخاصة للمتحف، ما يجعلنا نعتمد على هبات معنوية أو مادّية لتغطية المداخيل السنوية للمتحف".


رسم و ابداع ، وهو من النشاطات التي نظمها توني خلال ولايته كرئيس مجلس امناء متحف سرسق.

مكتبة المتحف وأسرارها

معرض المشاركين في مسابقة سنوية لجائزة "ريشة بيار" في مكتبة المتحف

في المتحف، منسّقة المكتبة والأرشيف رويانا بو حرب تعيش ولعاً مع قصاصات الصحف على غرار جريدة "لو جور"، "تليغراف" و"النهار" وسواها، التي حكت زمن المتحف منذ الـ 1961 إلى اليوم. ملفات في أرشيف خاصّ ليوميات سرسق منذ تأسيسه إلى اليوم ومجموعة الهبات المعطاة للمتحف ومنها من "سخاء" ريشار شاهين مثلاً.. كل ذلك يصور بتقنية عالية ويحفظ في ذاكرة الكومبيوتر...

روّاد المكتبة مرهفون بمكتبة كلاسيكية رقمية فيها كتب ومجموعات عن الفن، واستكشاف المكتبة هو جزء لا يتجزأ من المتحف، إضافة إلى أنّ أقسامها تتحول أجنحة لمعارض قيمة من وحي قضايا ملحّة من هذا الزمن أو حتى من قبله.

Rosette.fadel@annahar.com.lb                                                                   

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard