قصّة نهى التي نقل لها زوجها HIV وقتل طفلها!

28 تشرين الأول 2017 | 20:43

كانت نهى (33 عاماً) تعيش حياتها كباقي الفتيات، لديها أحلامها الجميلة التي تشبه أحلام كثيرات من عمرها. خطت خطوتها الأولى في عالم الحب والزواج وهي لم تتجاوز 18 عاماً. 6 أشهر من التعارف كانت كفيلة باتخاذ قرار زواجها بأحد جيرانها في الحيّ. انتقلت نهى إلى عالمها الجديد، إلى منزلها الزوجي الذي سيغلق أبوابه على سرّ سيقلب حياتهما رأساً على عقب، وعلى ذاك الفراش نقل إليها فيروساً دون علمه أو علمها، وهكذا بدأت الحكاية!  

عندما تتعرف إلى نهى تشعر بأنك تعرفها من قبل، ابتسامتها التي لا تفارق وجهها تجعلك مرتاحاً عندما تستمع إلى قصتها. لديها الكثير لتخبره به، قصتها أشبه بفيلم متشابك الأحداث، طابعه درامي وفصوله لا تنتهي. جرئية ربما لأنها لم تعد تخاف شيئاً، يكفي أنها قررت أن تتحدث عن وجعها، عن خيباتها وعن صدمتها وعن حياتها بكل تفاصيلها المرّة والسعيدة. هي اليوم تشاركنا تلك التفاصيل الصغيرة إيماناً منها بأنها ستساعد غيرها وتقود المجتمع لتغيير نظرته لهذا الفيروس.

عاشت نهى زوجةً وبعد مرور سنة حملت، وانتظرت مولودها بفارغ الصبر. وبعد 9 أشهر وُلد طفلها أخيراً، لكنه لم يكن بصحة جيدة، كان دائماً مريضاً. تستعيد تلك الأيام التي مضت عليها سنونَ قائلة: "كان ابني مريضاً طيلة الوقت، كان عمره شهرين عندما بدأت صحته تتراجع، كل مرة يعاني شيئاً، وبدأنا نجري له الفحوص لمعرفة سبب معاناته وتدهور صحته الدائم. لم نترك فحصاً إلا وقمنا به، لكن النتائج الطبّية كانت دائماً جيدة. كان هناك خطب ما والأطباء عاجزين عن كشف السبب إلى حين قررت طبيبته إجراء فحص خاصّ رافضة إطلاعنا على اسمه، في انتظار النتيجة وعندها لكل حادث حديث. جاءت النتيجة إيجابية أنّ ابني مصاب بفيروس نقص المناعة HIV وهو في عمر الـ 8 أشهر".

توفي ابني... هكذا رحل باكراً جداً

صدمة لم يكن أحد يتوقعها، كانت أشبه بصفعة قوية ليس سهلاً على أحد تقبلها. في تلك المرحلة لم تكن نهى تتجاوز الـ 22 عاماً، وكان عليها أن تواجه كل هذه التغييرات دفعة واحدة. كيف ذلك؟ كيف يمكن لطفل أن يولد بهذا الفيروس؟ خضعت نهى وزوجها إلى فحص نقص المناعة وأظهرت النتائج أنهما أيضاً يحملان هذا الفيروس. كان صعباً عليها أن تتقبل هذه الصدمة التي ألمّت بالعائلة كلّها، برأيها "لم يكن سهلاً أن تتقبل هذه الحقيقة المرّة، وأني نقلتُ هذا الفيروس لطفلي بالرغم من عدم معرفتي المسبقة بأني أحمله. أنا أرى طفلي أمامي يعاني صحّياً وأنّ وضعه الصحي يتدهور تباعاً، أشهر من العذاب والعلاج والنوم في المستشفيات وأنا أعلم في قرارة نفسي أنّ ابني لن يعيش كثيراً لأن الطبيبة صارحتني بأنه سيموت في عمر السنة كأقصى حدّ". يصعب على نهى وصف تلك اللحظات، كيف عليها أن تتعايش مع هذا الموضوع وهو يمزّقها من الداخل، يسرق منها قطعة من قلبها، يسرق ابنها وهي عاجزة عن القيام بشيء. بعد 4 أشهر صدقت توقعات الطبيبة ورحل ابنها عن هذه الدنيا، أمضى شهراً ونصف شهر في المستشفى ينزف ويجري تأمين الدم له، حتى أسلم الروح وغادر.

مرحلة صعبة وقاسية كان على نهى أن تعيشها مع زوجها، فحوصاتها كانت جيدة ومناعتها أيضاً، فمضت سنة ونصف سنة قبل أن تبدأ بتناول الأدوية الخاصّة بفيروس نقص المناعة. زوجها سبقها بـ6 أشهر لكنهما قرّرا الانفصال. تُعيد نهى شريط حياتها، ترى "أنه آن الأوان لاتخاذ هذا القرار النهائي، كانت هناك مشاكل كثيرة وأسباب عديدة للوصول إلى النهاية، فوفاة ابني، وخيانته المتكررة وعلاقاته حتى ما بعد الزواج وعدم العمل بشكل دائم وغيرها من الأسباب دفعتني إلى حسم قراري والطلاق منه. هكذا عدتُ إلى منزل أهلي الذين كان يعرفون بكل شيء. كانوا متفهمين وداعمين لي، لم أشعر يوماً بدونية أو بنظرة سلبية تجاهي. صحيح أنّ صدمتهم كانت كبيرة في البداية ولم يكن سهلاً عليهم تلقي الخبر لكن مع الوقت تعايشنا مع الموضوع واستكملت حياتي الطبيعية".


ماذا بعد الحب؟ 

وأشارت نهى إلى أنّ "الطبيب أكد لي أنني سأكون على ما يرام ولا داعي للخوف، وأني سأكمل حياتي بشكل طبيعي وأن أهم شيء أن آخذ الدواء بانتظام ككل الأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة. لم تكن الصعوبة في تناول الدواء وإنما في الحصول عليه، كان عليّ أن أقصد منطقة الكرنتينا للحصول على الدواء مجاناً الذي تؤمنه وزارة الصحة. كان صعباً عليّ أن أسمع اسمي لأتسلّم الدواء، كان المركز مكتظّاً، وبالرغم من عدم ذكر الحالة تسلّم الدواء والنظر إليّ من الجموع دون معرفتهم بنوعية الدواء كان صعباً على الصعيد النفسي. كان هناك غياب للسرّية والخصوصية، اليوم أتسلّم الدواء من الجمعية التي وفرت عليّ هذا العذاب النفسي".

تعترف نهى بأنها تشعر بالاكتئاب، فإن ما حصل معها ليس سهلاً أبداً، قصص كثيرة تركت أثرها في نفسها كوفاة ابنها ووالدتها، وزواجها... فصول صعبة وقاسية كان عليها أن تجتازها بأقلّ ضرر ممكن. كانت حريصة على متابعة حياتها وبعد خمس سنوات على طلاقها، تعرفت إلى شاب لمدة 3 سنوات، كان يحمل الفيروس مثلها وقررا الزواج وتأسيس عائلة. تتابع قصّتها بالقول: "تزوجنا، كانت السنة الأولى من حياتنا سعيدة وجميلة، ثم قررنا إنجاب طفلتنا التي وُلدت بصحة جيدة والأهم أنها لا تحمل الفيروس لأننا ملتزمان العلاج وتناول الدواء بانتظام، بالإضافة إلى إعطائها سائلاً لمدة 6 أسابيع من ولادتها لتقوية المناعة وتأكيد عدم انتقاله. هذا الخبر السعيد يُقابله تغير في حياتنا، اختلفت الأمور بعد سنتين من الزواج، مشاكل كثيرة بدأت تظهر إلى العلن شيئاً فشيئاً. كانت معاملة أهله سيئة جداً وعنصرية، كانوا يطلبون إليّ أن لا أنشف يدي بالمنشفة أو الدخول إلى المطبخ، حتى إذا قررت أن أستلقي نظفوا الأغطية وعقموها أمامي، حتى إنهم كانوا يغسلون الطبق الذي أكلتُ منه والشوكة على انفراد خوفاً من أن أنقل لهم العدوى، حتى ابنتي كانوا يميزونها عن أولاد العائلة أو اللعب معهم".

انفصال آخر... ولكن!

كان على نهى تحمّل كل هذا التمييز لأن عائلة زوجها عاجزة عن تقبل وضعهما الصحّي وأنهما حاملان فيروس نقص المناعة، لكن هذا ليس السبب الوحيد، كان هناك مشاكل زوجية أيضاً. كل تلك الأمور دفعتها في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرارها والانفصال مرة جديدة، وتولي مسؤولية ابنتها البالغة من العمر 5 سنوات بمفردها، بعدما قال لها زوجها بالفم الملآن: "إن أنتِ أخذت البنت تولّي أمرها".

قالت كل ما عندها، شاركتنا قصّتها بكل فصولها، لم يكن سهلاً عليها أن تتخطى كل هذا الوجع والخيبات المتتالية، لكنها لم تستسلم وقررت المضيّ في حياتها من أجلها وأجل ابنتها. وفي النهاية علينا أن نعرف أن فيروس نقص المناعة كغيره من الفيروسات والأمراض المزمنة يمكن التعايش معه إذا التزمنا العلاج، والأهمّ أن لا نُعيّر الشخص به، "لأنو ما حدا بيعرف ظروف غيرو أو شو صار معو".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard