تفاقم كارثيّ لحالات الفقر في طرابلس وتزايد مدقعي الفقر اطّراداً في التبّانة

26 تشرين الأول 2017 | 12:50

المصدر: "النهار"

لا تستطيع أبحاث ودراسات الإحاطة بواقع الحال في الكثير من أحياء الفقر الزاحفة اطّراداً، متوسعة نحو مختلف أحياء المدينة، القديمة منها والحديثة، حتى باتت مناطق الرخاء، أو اليسر في الحدّ الأدنى للحياة، محصورة في بقعة جغرافية قد لا تتعدى العشرين بالمئة من مساحات المدينة. 

هناك الأحياء الأدقع فقراً، وهي منتشرة في الأسواق القديمة، في مناطق طرابلس الداخلية، ابتداءً من باب الرمل جنوباً، وحتى باب التبانة شمالاً؛ مسافة تمتد كيلومترات عدّة، وفيها ما لا تستطيع مخيلة أن تتصوره من حالات بؤس وشقاء، وما يعصى على الوصف على حقيقته.

من النماذج الممكن التحدث عنها ما يمكن اكتشافه في باب التبانة؛ حالات يمكن القول فيها إنّ هذه أكثر سوءاً من تلك، وليس هناك ما يمكن وصفه بأفعل التفضيل الإيجابي، أي "حسن" و"أحسن". 

محمد محمود حمد، ربّ عائلة لتسعة أبناء، عاشوا في بيت من غرفة واحدة وحمام صغير وضيع، ومطبخ ليس أحسن حالاً. غرفة لا تدخلها الشمس، وبيت كله لا يزيد على الخمسة عشر متراً مربعاً، تكتنفه الرطوبة، ويصله المرء مطأطئ الرأس لأنّ مداخل درجه تعلوها جسور إسمنت المبنى، كيف؟ لماذا؟ لا أحد يعرف..

أصيب محمد (١٩٦٢) إصابات عدة، وكان يعمل وتوقف بسبب الأمراض التي تراكمت فيه من ربو، سكّري وضغط، إصبعه مقطوعة برصاصة طائشة، وكذلك قدمه وساقه حيث أصيب أيضاً بخمس رصاصات طائشة، كما يؤكد "عندما كنت أعبر الطريق العام".

 "ننام هنا سبعة أشخاص، وعندي شابّان واحد مصاب بالشلل في المستشفى وواحد متزوّج، وآخر معوّق، والرابع يعمل في ما كنت أقوم به من جمع للبلاستيك والحديد وما شابه، وهو المصدر الوحيد لإعالتنا، وشقيقه يردّ على عائلته بعض المال، ويساعدنا قليلاً، وهو يعمل مصلح سيارات؛ يوماً بعشرة آلاف وآخر بعشرين ألفاً، وأحياناً لا يُوفَّق بأيّ زبون، ومنذ ثلاثة أيام لم يشتغل أبداً"، يقول محمد.  

وأضاف: "مرضت، ولا أستطيع العمل. الروائح تؤذيني كثيراً. الدواء أوفّره عن طريق أهل الخير، لكن من غير السياسيين، والعملية التي أجريناها لزوجتي أيضاً عن طريق أهل الخير، والطبيب ساعدنا بحسم نصف العملية مراعاةً لأوضاعنا". 

أحد أبنائه أصيب برصاصة قنص في آخر أيام الأحداث بين جبل محسن وباب التبانة، وكان عمره ١٦ سنة، قال محمد: "راح ليأتي بصحن حمص، أصيب برقبته، وخرجت الرصاصة من بطنه، ويعاني شللاً كاملاً، وهو في دار الزهراء، أحياناً يطلبون دواءً ولا نستطيع تأمينه".

وفي العائلة معوّق ثانٍ منذ أن كان عمره سنتين، أجريت له عملية غير ناجحة بسبب أمعائه الملتفّة حول بعضها، و"أجرينا له عملية فلم تنجح، وشلّت يده وقدمه جهة اليسار".

من يشاهد البيت - الغرفة يستغرب أين وكيف تنام العائلة. يصف محمد المنامة المستحيلة لبني البشر في القرن الحادي والعشرين: "أنام أنا والإناث في هذه الغرفة، والذكران ينامان في المطبخ".

أرض الغرفة ليلاً مغطاة ببعض فُرش إسفنج ممّا وزّع في الأحداث، ينام عليها محمد والبنتان؛ كنّ سابقاً أربع بنات، تزوجت اثنتان، والأمّ التي لا تقوى على الكلام بسبب انتزاع حنجرتها التي أصيبت بالسرطان، وقد مضى على عمليتها ست سنوات". 

ويواصل محمد سرده لوقائع حياته: "كل الأولاد مصروفهم عشرة آلاف ليرة، أجمع المال من المحسنين، وشخصياً أحتاج إلى ٢٠٠ ألف ليرة للدواء. يساعدني أهل الخير، مثلاً، وأنا ذاهب لآتي بالدواء. يشتري لي أحد معارفي العلبة الضرورية"، يواصل حديثه قائلاً: "الله ما بيقطع حدا، الحمد لله رب العالمين. عايشين. أتمنى رحمة رب العالمين، ولا نريد إلا ما يكفي لمعيشتنا بضروراتها فقط". 

ويواصل عرض انطباعاته، ويقول: "سمعت بضمان الشيخوخة وأنا ولد، ولم أصدق أنه سينفّذ، ولو طبّق لارتحنا، لكن نسمع به من زمان، ولا نعرف إن كان سيطبق ونحن أحياء"، ويردف: "أنا لست طاعناً في العمر لكنّ المرض أضعفني، ولم أعد أقوى على الحركة. وفوق ذلك أنا مصاب مرتين بالرصاص؛ واحدة في يدي، وخمس طلقات في قدمي أجريت لها عمليات عدّة، لكن لن أعالجها بعد اليوم. كل الإصابات بالغلط، وأصبنا خلال عبور الشارع، ولم نشارك في الحرب".

جمال حمد، هو الشاب المعوّق، عمره ٢١ سنة، قال: "أجريت لي عملية في الأمعاء وأنا صغير، ثم تعرضت لحادث سير وأنا أعبر الطريق، صدمتني سيارة فأصبت بشلل في الجهة اليسرى، وأحتاج لعملية للساق واليد، قال الأطبّاء إنه يمكن أن تحسّن حالتي، لكن المال غير متوافر".  

 في الحيّ القريب تعيش "ربيعة"، لا ترغب بذكر اسم العائلة، سيدة في مقتبل العمر، لها بنتان وصبي، زوجها في السجن "منذ ثلاثة أشهر بسبب مشكلة محلية" كما قالت وتابعت: "كان يعمل بالحدّ الأدنى من تكاليف البيت، وإيجار البيت مئة دولار، وأغصّ ألف غصّة لأدفعها، وإنارة المنزل بمصباح واحد من الجيران، أنقله بشريط كهربائي من مكان إلى آخر، وأنا أقوم ببعض الأعمال في المنازل لأؤمن قوت الأولاد، يوماً أو اثنين في الأسبوع".

 العائلة تعيش في منزل مكوّن من غرفتين؛ جدران مغطاة بالطحالب على رطوبة، لم تدخله الشمس مرة واحدة، ولا يمكن أن تصله في أيّ يوم. وعند هطول الأمطار يضطر أفراد العائلة للمغادرة لأنّ السيول تملأ المنزل.

وتتحدّث ربيعة عن حال أولادها: "البنتان التحقتا بالمدرسة، والصبي لم يتمكن من ذلك لأنه لم يحصل على إفادة من المدرسة إذ لم يتقدم لامتحانات آخر السنة، ولذلك هو باقٍ بلا مدرسة، وبغياب زوجي نعاني تأمين نقل الأولاد إلى المدرسة. البنتان أرسلهما مع بنات الجيران".  

لا تحلم ربيعة بتغيير البيت ولا بالتفكير في خيار آخر، وعما تتمناه تكتفي بما يمكن أن يكون ممكناً: "أتمنى أن نرتب البيت بعض الشيء وأن ندهنه".   


إحصاءات

أعدّت اللجنة الهندسية في بلدية طرابلس إحصائية مقارنة، عرضتها خلال مؤتمر عقد في نقابة المهندسين العام الماضي، وحمل عنوان "واقع مدينة طرابلس والرؤية المستقبلية". تحدثت المقارنة عن واقع المدينة ما بين 1989 و 2014 وبيّنت الأرقام التالية:

العنوان

عام ١٩٨٩ 

عام ٢٠١٤

الفقر 

٪٩،٤٥

٪٥٧ 

الفقر المدقع 

٪٦،٤٥ 

٪٢٦  

العجز الاقتصادي

٪٩،٨٨ 

٪٧٧ 

البطالة 

٪ ٩،٨٨

٪ ٣٥

التسرّب المدرسي 

٪ ٨،٩٦

٪ ٥٧

 

إحصائية "تيار المستقبل":

وقد أجرى "تيار المستقبل" في باب التبانة إحصائية سنة ٢٠١٥، شملت التبانة والحارة البرانية التابعة لها. وأفاد هلال شمرا الذي قاد الإحصائية وأشرف عليها، بأنّ الدراسة شملت كلّ مساكن المنطقة وبلغت زهاء ٥٥٠ وحدة سكنية، وتبين أنّ ٨٪ من سكانها سوريون، فيما متوسّط عدد أفراد العائلة ستة أشخاص، وهو رقم سبق أن اعتمد في مراحل سابقة. 

وتشير الدراسة إلى أنّ ٣٥-٤٠٪ من السكان قادمون من عكار والضنية. 

وقال إنّ نسبة الفقر العادي هي ١٥٪ في الحارة البرانية، بينما ينتشر الفقر المدقع في سوق الخضار ومحلّة الدقور بنسبة ٦٠٪. 

وتوقف شمرا عند متوسطي الحال البالغين ٢٥٪، وهم ممن تمكّن واحد أو أكثر من أبنائهم من إيجاد عمل ثابت أو وظيفة. وفي العديد من الحالات، ومتى لمست هذه العائلات تحسناً في أوضاعها الاجتماعية، انتقلت للعيش خارج التبانة، وجراء ذلك يبقى الفقراء ومدقعو الفقر، وتزداد نسبتهم اطراداً كلما رحل عن المنطقة أناس جدد. 

قام التيار بمبادرة لتحسين أوضاع المنازل ذات الوضع الصعب، وتولى ترميم مساعدة وتجديد ما يقارب ١٤٠منزلاً، والتغطية المالية كانت من الهبة السعودية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard