لقاء بيروتي مع ميشال أزانافيسيوس

12 تشرين الأول 2017 | 11:54

المصدر: "النهار"

طار صيت الفرنسي ميشال أزانافيسيوس مع عملين باروديين في سنوات الألفين، كلاهما أفلمة لسلسلة "أو أس أس ١١٧". جان دوجاردان جسّد فيه دور عميل سريّ يحاكي جيمس بوند. أجواء ريترو منبثقة من الستينات، مقاربة ظريفة للعمل التجسسي، حسّ إيقاعي رشيق… هذا ما كان عليه الفيلمان اللذان حققا ايرادات عالية، فأفضيا بأزانافيسيوس إلى فيلمه المقبل، "الفنّان"، الذي نال عنه جائزة "أوسكار" في هوليوود. مجموع الجوائز التي أُسنِدت إليه عن هذا الشريط الأخّاذ وصلت إلى المئة. انه حكاية ممثّل من زمن الصامت يُدعى جورج فالنتاين (جان دوجاردان أيضاً).  

أزانافيسيوس لا ينقصه الالهام ولا الجنون، وهذا شيء سنتأكد منه تباعاً. "الفنّان" تحية إلى زمن سينمائي غابر، زمن ايرول فلين ودوغلاس فيربانكس والعصر الذهب للبورلسك. لا نستطيع أن نغفل كلّ الاحالات التي يتضمنها الفيلم الذي يقحمنا في هذه الدهاليز السينيفيلية بالكثير من الغمزات المحببة: الحبكة تتضمن عناصر من "رقص تحت المطر"، الميوزيكال التحفة لستانلي دونن. نعثر أيضاً في هبوط فالنتاين وصعود راقصة يلتقي بها (بيرينيس بيجو) إلى أعلى مراتب النجومية، أشياء كثيرة من "ولادة نجمة"، رائعة جورج كوكور. في حين يأتي الكلب لينشئ رابطاً عبر الزمن مع "أومبرتو دي" لفيتوريو دو سيكا أو أفلام متفرقة لتشارلي شابلن.

في أيار الماضي، شارك أزانافيسيوس في مسابقة مهرجان كانّ (للمرة الثالثة في حياته)، بفيلم "المريع" عن جان لوك غودار. المخرج الاسطوري الذي ترك بصمات دامغة على السينما، وكان يستحق فيلماً عاجلاً أم آجلاً، وهو الأنسب لإنجاز هذا الفيلم التحية الذي يطرح فصلاً محدوداً من حياة مخرج "بيارو المجنون". كتب أزانافيسيوس السيناريو انطلاقاً من مذكّرات آن فيازيمسكي التي مثّلت في أفلام عدة لغودار، منها "الصينية"، قبل أن يتزوّجا في ارتباط دام ثلاث سنوات. يتبنى نصّه مقاربة ساخرة إلى حد كبير، طارحاً غودار كشخصية سجالية، جدالاته البيزنطية تتخطى السينما، فارتباطاته السياسية والعقائدية كانت دائماً محل خلاف حتى مع أقرب المقربين له. غودار هنا يعتبر أزمة إبداعية ويمتلئ باليقين. يتأتى هذا من كونه يجد نفسه في مرحلة تغيير شامل (أيار ٦٨ إلخ). يبحث ولا يجد السينما التي تليق بتلك الفترة.

غودار من منظور الفيلم، شخصية ظريفة، كاريكاتورية في بعض الأحيان. إنّه العبقري الذي قرر ألاّ يفهمه أحد، حتى مَن تشاركه الفراش ليست دائماً معه على موجة واحدة. ثمة نقاش ضمني هادئ لبعض من أفكار غودار السياسية التي ألهمت أزانافيسيوس وأضحت الأرضية لأفلام شكّلت بداية القطيعة مع العالم واضعةً اياه في عزلة عمّقت صلته مع الناس الذين من حوله. تلك العزلة هي ما يصوّره أزانافيسيوس، تمهيداً لدخوله مرحلة جديدة ستحوّل فنّه إلى الأبد. هذه الفكرة جُسِّدت بشكل ذكي من خلال مشهد نظارات غودار التي تقع أرضاً وتُداس غير مرة. فغودار يفقد الكثير من دون نظاراته وبلاغته الكلامية وراديكاليته. عرف لوي غاريل كيف يأتي بكلّ هذه التفاصيل إلى الشخصية التي يجسّدها. التمثيل شكّل تحدياً كبيراً، وعليه تتوقف صدقية الفيلم. فمن أين يمكن الإتيان بممثل يستطيع اقناعنا وطرد صورة غودار الحاضرة بقوة في الأذهان. إلا أنّ غاريل تولى هذا الجانب وضمن مرور الفيلم إلى ضفة الأمان.

خلال مشاركته في مهرجان بيروت السينمائي الاسبوع الماضي، التقينا أزانافيسيوس ودار بيننا الحوار الآتي:

- آن فيازيمسكي التي استوحيت الفيلم من كتابها توفيت أمس…

- حزنتُ جداً. أحببتُ كثيراً هذه السيدة. جمعنا الفيلم. لم أكن أعرفها شخصياً من قبل. كلّ شيء كان على ما يرام بيننا. التواصل كان في ذروته. وضعت ثقتها بي. والأهم انها شاهدت الفيلم ثلاث مرات وأحبّته كثيراً. خرجت سعيدة من العرض.

- هل أنت مقتنع بأن الفيلم غوداريٌّ؟

- لا، هو أزانافيسيوس كلياً!

- نعم، لكنك أنجزته وأنت تغمز إلى غودار مراراً…

- لا بل أعدتُ زيارة غودار. استخدمتُ موتيفاته، لكني وضعتها في فيلم لي، من توقيعي. لم أُرد فيلماً مزوّراً. النتيجة النهائية لا تشبه البتة أي عمل لغودار.

- … لكن لِمَ غودار؟ أنت بعيد جداً عن عالمه…

- الكتاب هو الذي كان الدافع. لم أنجز الفيلم بسبب غودار بل بسبب الكتاب. صحيح ان أفلامه لا تشبه أفلامي، لكنها تلتقي في مكان ما…

- ماذا تقصد؟

- "ميكانيزم" السينما ظاهر في أفلامنا. لا ننجز النوع نفسه من السينما. ولكن كلانا لا يقدّم سينما واقعية مباشرة.

- كيف جمعت حياته الشخصية بالمهنية في الفيلم؟

- الكتاب في الأصل يحدث هذا التوازن. والتوازن هو ما سعيتُ اليه دائماً. غودار شخصية متناقضة؛ هو أحياناً ظريف جداً وأحياناً بغيض جداً. فحاولتُ ايجاد هذا التوازن بين الجانبين على نحو لا يجعل المُشاهد يطلق عليه الأحكام. هو شخصية مهمة في مرحلة معينة من تاريخ السينما وفرنسا، وفي هاتيك الأيام الانخراط في ثورة ٦٨ وتأييد الفكر الماوي لم يؤديا إلى تغيير سلمي.

- أتعتقد انه غيّر السينما؟

- بالتأكيد. وظّف الحرية المطلقة في عمله. جرأته الأدبية ليست لها حدود. دفع باللغة السينمائية إلى ذروتها.

- كتب ناقد عربي انك حططتَ من شأن غودار على نحو لم يجرؤ حتى "بوزيتيف" على فعله. ما رأيك؟

- بدايةً، هؤلاء الذين يقولون أشياء كهذه يضخّمون من نفوذي. لم أقضِ على أي شيء البتة. لم يكن ذلك هدفي أصلاً. أردتُ ان نكتشف غودار الإنسان. كثر لم يفهموا يوماً لماذا بعد الستينات أصبح غودار كائناً غير مفهوم. أنا أردتُ ان أضع تلك الفترة من حياته في سياق تاريخي محدد بغية عقلنتها. وأعتقد ان الفيلم في النهاية، قرّبه من الناس الذين كانوا يحاولون فهمه. هناك مَن يريد ابقاء غودار في المتحف كأنه قطعة فنية. وكأنه مات وهذا مكانه. أردته مادة حيّة. شخصية تنبض بالحياة. شاب في حالة غرام.

- الفيلم يتكلّم أيضاً عن تداخل السياسة بالفنّ، الأمر الذي يحلو لغودار…

- كلّ شيء سياسي في الأخير. عندما تنجز كوميديا وهي لا تبدو انها كذلك، فأنت تنجز عملاً سياسياً. لم يكن غودار ينجز سينما سياسية بل ينجزها سياسياً. وهذا ما لا أؤمن به، أو أقله لا أمارسها.

- واضح هذا في سلسة "أو أس أس ١١٧"…

- بالتأكيد. هناك سخرية ذاتية من عقدة التفوق التي عند الغربيين. هذه السلسلة تعجّ بالكليشهات السياسية.

- هل علمت ما اذا كان غودار قد شاهد الفيلم، وما كان رأيه فيه؟

- لا. لم أُرد معرفة ذلك. هو حرّ. ولكن لو أراد مشاهدته لسعدتُ.

- هل لأنك تعرف مسبقاً رأيه؟

- ليس بالضرورة ان يكون رأيه سلبياً. فمن شدة رغبته في عدم فعل ما ينتظره منه الناس، قد يفعل عكس المتوقع. الكلّ ينتظر ان يهاجم الفيلم، وقد لا يفعل فقط لهذا السبب. ولكن، كما قلتُ هو حرٌّ في ان يفعل ما يريد.

- هل كان لوي غاريل خيارك منذ البداية؟

- نعم. وجدتُ ان سحره يناسب جيداً شخصية غودار. وهو أصلاً ممثل ممتاز.

- هذه المرّة الأولى يمثّل فعلاً، عادةً هو يكتفي بأن يكون…

- هنا، أراد الخروج عن المألوف. قدّم شيئاً آخر.

- أتعتبر "المريع" كوميديا؟

- بلى. انه خليط، لكن تعجبني فكرة تصنيفه كوميديا.

- هل صُوِّر الفيلم في استوديو؟

- لا. صوّرناه في باريس، خارجي.

- هذا يعني انك حظيتَ بموازنة كبيرة.

- الموازنة لم تكن قليلة، صح!

- غودار الذي صوّرته وحداني بعض الشيء…

- أعتقد انه كذلك في الحقيقة…

- أقصد اننا لا نراه أبداً مع رفاقه في "الموجة الجديدة"…

- في الحقيقة، تفاديتُ هذا لأنني لم أُرد الوقوع في مطبّات أفلام السيرة. كان لي طلب واحد من المُشاهد: ان يصدّق ان لوي غاريل هو غودار. لكني لم أرغب أبداً في ان آتي بممثلين ليضطلعوا بأدوار شابرول وتروفو، وألخ… هذه أشياء لا أصدّقها عادةً في السينما. هناك دائماً جانب أرعن في هذا النمط السينمائي. راقتني فكرة ان أبقى في الحيز الحميمي. في النهاية هذه قصّة حبّ. لم أكن بجاحة إلى ناس حول غودار.

- في "رودان" لجاك دوايون، نرى عدداً من الرسّامين يتحلّقون حول رودان ويسمّي الفيلم بأسمائهم ووجوههم…

- عندما تقرأ شيئاً مماثلاً على الورق، تغويك الفكرة ولكن على الشاشة، يصعب عليّ تصديقها.

- ولكن، هل كانت "الموجة الجديدة" مهمة في تكوينك؟

- نعم، بمعنى انها غيّرت مقاربتي للسينما. لكني لا أنتمي اليها. عندما بدأتُ في صناعة الأفلام، كانت "الموجة" لا تزال حاضرة بقوة في الثقافة السينمائية، كثر كانوا يدّعون انهم ورثة لها. أنا لم أكن من هؤلاء، كوني عملتُ في التلفزيون.

- من هم معلّموك؟

- بلورتُ عاطفة كبيرة تجاه بيلي وايلدر ودينو ريزي وايتوري سكولا وارنست لوبيتش. لكني لم أقدّس أحداً منهم. لم أبجّل سينما على حساب أخرى، وكلّ هذه الأشياء التي أخذت في فرنسا أبعاد معارك ضارية. لم أناضل من أجل فيلم ضد فيلم آخر. أبداً!

- هل من السهل اليوم لمَن يجد نفسه خارج السينما الفرنسية التقليدية أن يموّل أفلامه؟

- الحظ حالفني إلى الآن، فأنجزتُ الأفلام التي أريدها. لو أعطيتني مالاً ووقتاً أكثر، لا أعرف ماذا يمكنني ان أغيّر في "المريع". أنجزته كما كان يحلو لي انجازه. لا شك ان صناعة الأفلام صعبة، ولكن لا يحق لي ان أشتكي نظراً لوضعي الجيد.

- كيف كانت أجواء التصوير في هذا الفيلم؟

- ممتعة.

- هل أصبح التصوير بالنسبة لك شربة مياه؟

- أبداً. ليس سهلاً، لأنك لا تفعل الشيء نفسه مرتين. كلّ فيلم هو أول فيلم بالنسبة لك، بمعنى انك تنجز هذا الفيلم للمرة الأولى. في كلّ مرة أشعر انني أنطلق من الصفر. كلّ فيلم له منطقه الخاص، عليك ان تبحث عنه وتجده، واذا وجدته عليك تطبيقه واحترامه. لا شيء سهلاً، لكنني أعمل بشكل أفضل عندما أكون مرتاحاً وهادئاً، محوطاً بأشخاص أحبهم. لا أحتاج إلى صراعات في العمل، لا يهمّني ان أضع نفسي في حالة خصام وتحدٍّ ومعارضة…

- هل تعرف كثراً من السينمائيين على هذا الشكل؟

- أعرف بعضهم نعم…

- معظم أفلامك تجري أحداثها في الماضي…

- فيلمي الأول كان معاصراً. و"البحث"، ما قبل الأخير، يحدث خلال حرب الشيشان، أي في العام ٢٠٠٠. صح، البقية كلها تعود بالزمن إلى الخلف. أحب اعادة إحياء حقبة قديمة. يروق لي التكلّم عن حاضرنا من خلال الماضي، هذا أشبه بلعبة مرايا.

- هل غيّرت الـ"أوسكار" شيئاً ما في مسيرتك؟

- نعم. على أي حال، كلّ شيء يحدث لك التغيير. كلّ فيلم أنجزته غيّرني. الـ"أوسكار" لم تغيّرني بشكل جذري. حياتي بقيت هي هي، ربما تغيّرت نظرة الناس إلى عملي؛ بات أسهل ايجاد تمويل لأفلامي.

- هل تشعر انك تنتمي إلى السينما الفرنسية أم إلى سينما متعددة الثقافات؟

- لي احساس بأنني الاثنان معاً. أُتيحت لي فرصة المشاركة في المهرجانات ولقاء سينمائيين من بلدان مختلفة. لكنني أبقى فرنسياً، وأعتقد ان هذا الفيلم فرنسي إلى حدّ كبير.

- النقّاد الفرنسيون هل يعاملونك بشكل جيد؟

- أحبوا هذا الفيلم، لكن فيلمي السابق، "البحث"، لم يعجبهم.

- أفلامك الثلاثة الأخيرة عُرضت في كانّ، ماذا يعني لك هذا المهرجان؟

- أحبّ كانّ كثيراً، والناس الذين يأتون اليه، ولكن هناك دائماً خطورة ان تفلت الأمور من يديك، وخصوصاً اذا لم تجر الأمور كما يجب مع النقّاد.

- أتعمل على فيلم جديد حالياً؟

- أجل. أُرسل إليَّ سيناريو مكتوب بشكل ممتاز؛ كوميديا ظريفة جداً، وذكية.

- عمّ يتحدّث؟

- عن شخص يروي القصص لابنته. يبقى الفيلم في اطار عالم الحكايات. للأسف، لا أستطيع ان أقول المزيد. هو يشبه قليلاً أفلام "بيكسار"، ولكن بممثلين من لحم ودمّ.

- أتحتاج إلى وقت للانتقال من فيلم إلى آخر؟

- عادةً، ولأنني أكتب بنفسي السكريبت، أحتاج إلى وقت أكثر، لكن الحال تختلف مع هذا الفيلم.

- هل من شروط إخراجك لفيلم ان تكون صاحب السيناريو؟

- لا، ولكن يجب على الأقل ان أكون قادراً على اعادة صوغ السيناريو. السيناريو الذي أحدّثك عنه يحتاج إلى بعض الصوغ، لكنه في الإجمال ممتاز.

- هل تقرأ كلّ ما يُرسَل اليك؟

- في العموم، أقرأ كلّ شيء.

- أهذه زيارتك الأولى لبيروت؟

- نعم…

- لم ترَ شيئاً إذاً.

- القليل. أغادر فوراً إلى لندن لعرض الفيلم هناك غداً.

https://www.youtube.com/watch?v=HTk5Y63uA5U


يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني