قاصر يقتل مواطناً بالسكّين في الطريق الجديدة انتقاماً

6 تشرين الأول 2017 | 16:21

قتله بالسكين انتقاماً.

ظُهرَ الثالث من آب سنة 1970 عُثر على الشابّ كمال ع. 53 سنة، عازب، مقتولاً بالسكّين في شقّته بمحلّة #الطريق_الجديدة، مدينة بيروت، التي يسكنها وأخته العازبة أيضاً، وولدي أخيه القاصرين. تم الاتصال بالشرطة والفرقة 16، فحضر المفوّض آمر فصيلة شرطة طريق الجديدة، وأعلمت المفرزة الجنائية في بيروت، فكلّف آمرها المفوض العام طانيوس الطويل، مساعده الملازم الأول عبد الكريم إبرهيم، بسرعة الانتقال إلى مكان الحادث على رأس دورية من المفرزة تضمّ الرقيب عبد الكريم الشيخ والعريف عجاج ياغي، لجمع المعلومات وكشف خفايا الجريمة التي تركت الخوف والذعر لدى السكان الذين يكنّون الاحترام والمحبة للمجنيّ عليه، الموظف في دائرة الضرائب غير المباشرة في وزارة المالية. 

عند وصول الضابط إلى مدخل البناية حيث يقيم المغدور في طابقها الأول، كان الطبيبان الشرعيان، حيدر والحصري، يرافقان الجثة إلى مشرحة مستشفى الكرنتينا لتشريحها بناءً على إشارة قاضي التحقيق في بيروت القاضي حسن القواس، الذي انتقل فوراً إلى مسرح الجريمة، برفقة آمر الفصيلة، وكلّف الطبيبين الشرعيين معاينة الجثّة وتشريحها لتحديد طريقة القتل والتاريخ الصحيح للحادث، كما استناب المفرزة الجنائية في بيروت لإجراء التحرّيات لكشف غوامض مقتل المغدور كمال.

باشر الضابط ودوريته العمل فوراً بتكليف من آمر المفرزة، فتبيّن له بنتيجة التحرّيات الفورية أنّ القتل تم ما بين الساعة الخامسة والسابعة صباحاً بواسطة سكّين وقد بعثرت محتويات الشقّة، لكن لا أدلة على حصول سرقة، وقد فرّ الجاني من نافذة الطابق الأول حيث يقيم كمال الذي كان على علاقة بسيدة تنظف له المنزل، لكنها تزوجت وانقطعت عنه منذ أكثر من سنة.

حامت الشبهات حول شذوذ المجني عليه، بناءً لتسريبات أحد المخبرين المتعاونين في المحلّة وأنّ القاصرَين عزب 14 سنة وأخاه محمد 16 سنة، يترددان فرديّاً إلى شقته بحجة بيعه أوراق اليانصيب اللبناني!

استحضر عزب إلى المفرزة الجنائيّة وبوشر التحقيق معه، فاعترف بأنه يتردد إلى شقة المغدور الذي يكلفه شراء بعض الحاجات من المحالّ المجاورة لقاء بقشيش يقبضه منه ولا تربطه به أيّ علاقة شذوذ مطلقاً، ولا سيما أنّ المغدور معروف بسمعته الممتازة ومركزه المرموق في وزارة المالية، وأنّ أخاه محمداً (16) يتردد كذلك إلى المنزل عينه، ويحظى بمنفعة أكبر منه.

لم يقتنع الملازم الأول بذلك، بل ساورته الشكوك حول امتهان عزب القاصر للمثلية، فاستدعى الطبيب الشرعي الذي عاين عزب وأكد أنه قد تعرّض للممارسة المثلية مراراً. عندها أعيد للتحقيق مع بعض العنف الذي كان سائداً حينها، فاعترف عزب بممارسته المثلية وسمى 5 أشخاص مارسوا معه مؤخراً، فاستحضروا إلى المفرزة واعترفوا بذلك وأوقفوا. كذلك اعترف عزب بوجود علاقة مثلية مع المغدور في الشهرين الأخيرين وأنه كان يدفع له مبلغ خمس ليرات بعدما يمارس الشذوذ معه، لكنّ أخاه محمداً الذي يبيع أوراق اليانصيب مثله يمارس الشذوذ أيضاً، وساءت علاقته بأخيه محمد الذي شعر بالغيرة منه إذ فضّله المغدور، كمال، عليه وأصبح يتقاضى منه الأموال بدلاً من أخيه.

استحضر محمد، 16 سنة، فاعترف بعلاقته بالمغدور منذ 9 أشهر، واقتصرت على بيعه أوراق اليانصيب وتقديم خدمات شراء الحاجات من الحانوت، وكان محمد وعزب يزورانه في مكتبه في وزارة المالية من حين لآخر بحجة الصداقة معه! وأنكر ممارسته المثلية مع المغدور أو مع غيره مطلقاً، وأنه لم يلتق المغدور منذ أسبوعين..

حسني، أحد الموظفين في وزارة المالية، أفاد بأنّ محمد سأله عن الأستاذ كمال صبيحة يوم مقتله، وعند مفاتحة محمد بذلك أنكر وأصرّ على أنه لم يسأل أبداً عن المغدور.

بالكشف الطبّي على جسد محمد من الضابط والدورية، تبيّن وجود خدش بسيط في رقبته وأثر لظفر في بطنه، وقد برر محمد ذلك بأنه نتيجة تعاركه مع أخيه عزب، وأنه لا يمارس الشذوذ لا مع المغدور ولا مع غيره!

تناقض كلام محمد والشاهد الموظف في الوزارة، ما استدعى تكليف الطبيب الشرعي معاينة محمد، وقد أكّد الطبّ الشرعي أنّ أثر الظفر لا يعود لأكثر من 48 ساعة وأنّ محمد يمارس المثلية.

أعيد التحقيق مع محمد، ووفقاً للأصول التي كانت سائدة حينها، وبمواجهته بالحقائق عن ثبوت ممارسته الشذوذ أفاد بأنّ المغدور كمال، اعتاد أن يمارس معه مرة أسبوعياً مقابل خمس ليرات كل مرة، وكان يتردد إلى منزله بصفة بائع يانصيب، وكذلك أخوه عزب، الذي راقت شهوانية كمال له أكثر من محمد ربما لصغر سنه فحقد محمد على كمال وصمم قتله بعد الانتهاء من ممارسة الشذوذ إذا دعاه إليه!

بالفعل وبناءً لطلب كمال، حضر محمد إلى منزل كمال الساعة السادسة من صبيحة يوم الحادث، وكان المغدور يشرب القهوة على شرفة منزله في الطابق الأول، حيث أدخله غرفة نومه ومارس فيه الشذوذ، وبعدما دخل كمال الحمام ذهب محمد إلى المطبخ وانتقى السكين الحادّة والأكبر وأخفاها خلف ظهره ليطعن كمال في صدره طعنات متلاحقة فور خروجه من الحمام، رمته أرضاً دون حراك، وانتقل محمد ليفتش عن المجوهرات في الشقّة التي بعثرها بسرعة. لم يعثر على النقود، إنما تحقق من وجود الأموال في جيب الضحية، فنزع سرواله عنه وقبل أن يسحب المال منه سمع حركة في الخارج ما استوجب فراره من النافذة فهرب حاملاً السروال ومخفياً فيه السكين المغمسة بالدم!!. سار بسرعة إلى مقربة من مبنى مجلّة "الحوادث" قرب جامع عبد الناصر، فأخذ الأموال ورمى السكين والسروال في القمامة وأسرع إلى منزل ذويه في الشياح، ليتابع لاحقاً إلى وزارة المالية حيث يبيع اليانصيب.

سأل أحد الموظفين عن كمال إن حضر اليوم، فكان الجواب بالنفي. لكن بعدما انتشر خبر مقتل كمال في الوزارة خشي أن يضعف أو يعتقله المتحرّون أو الشرطة، فخرج لبيع اليانصيب بعيداً من الوزارة، ويبيت في منزل ذويه مع أخيه عزب الذي لم يعلم شيئاً عن الجريمة.

أبلغ المستنطق، القاضي حسن القواس، وقائد الشرطة القضائية العقيد رؤوف عبد الصمد، والمقدم شفيق أبو شقرا قائد السرية الإقليمية في شرطة بيروت، فحضروا إلى مبنى الشرطة والمباحث في ساحة البرج، واستمعوا إلى أقوال محمد ع. البالغ من العمر 16 سنة فقط. وبحضور مساعدة اجتماعية من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، اعترف بطعنه للمغدور كمال، بعدما مارس فيه الشذوذ وقبل أن يقبض منه الليرات الخمس، حقداً عليه لاستغلاله القاصرين وانتقاماً لأنه أغرم بأخيه الذي يصغره بسنتين وحرمه الليرات الخمس التي اعتاد قبضها في نهاية الممارسة معه!!

لم يعثر على السكين والسروال اللذين رماهما محمد في حاوية نفايات قريبة، كما لم يعثر على أيّ دليل على الجريمة بنتيجة تفتيش منزل عزب ومحمد.

اعترف محمد وعزب بممارسة الشذوذ الممنوع قانوناً ولا سيما مع القاصرين، مع تسعة أشخاص جرى استجوابهم واعترافهم وتوقيفهم لدى النيابة العامّة في بيروت.

ارتاح أهالي الحيّ في الطريق الجديدة لسرعة رجال التحرّي في كشف جريمة قتل الموظف كمال بالسكّين في شقته الآمنة، وتوقيف الجاني خلال فترة قصيرة جداً، ونوّهت الصحافة اللبنانية بجدارة الشرطة القضائية وكشفها لأشدّ الجرائم غموضاً، وأصدر المدير العام لقوى الأمن الداخلي الأستاذ محمود البنا، التنويه رقم 31 تأريخ 8/ 10/ 1970 الذي قضى بمكافأة كل من:

- الملازم الأول عبد الكريم إبرهيم، الذي منح وسام الاستحقاق اللبناني من الدرجة الثالثة بصورة استثنائية للسبب التالي:

"منذ أن نقل إلى مفرزة بيروت الجنائية بتاريخ 15/ 9/ 1969 وهو يسجل نتائج إيجابية في حقل مكافحة الجريمة تدلّ على الذكاء والمثابرة، وبتاريخ 3/ 8/ 1970 حصلت في العاصمة جريمة قتل غامضة فتمكّن من كشف ملابساتها وألقى القبض على القاتل خلال مدة لم تتجاوز الثماني عشرة ساعة، مدللاً على جدارة وحرفية عالية بعمل التحري".

- الرقيب عبد الكريم الشيخ والعريف عجاج ياغي مع منح كل منهما مكافأة مالية قدرها مئتا ليرة لبنانية، لمؤازراتهما رئيسهما بكشف الجريمة وتوقيف الجاني.

إنّ تضافر تقنية المتحرين وسرعة تحركهم بدون عوائق، والاستقصاءات الدقيقة، وكفاءة الأطباء الشرعيين، سهلت الوصول إلى النتائج السعيدة بكشف جريمة القتل الغامضة لموظف في المالية وأوقفت الجاني، وعادت الطمأنينة إلى المجتمع البيروتي. لكن ذلك كان مطلع السبعينيات، حين كانت أجهزة الدولة وحدها هي القوى المسلّحة التي تمارس عملها دون قيود، وهي الأقوى! ترى هل تعود أجهزة الحكومة الشرعية التي لها وحدها حقّ حمل السلاح والتحقيق العدلي دون قيود، بإشراف النيابة العامّة المتخصصة، يهابها المجرمون والمطلوبون فتنشر السكينة وتوطّد الأمن وتنفّذ القانون على الجميع فتنخفض معدّلات الجريمة؟

قائد سابق للشرطة القضائية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard