ما حصل في الجامعة الأميركية في بيروت اثار القلق!

30 أيلول 2017 | 15:41

المصدر: "النهار"

ما حصل في الجامعة الأميركية في بيروت قبل أيام يثير القلق، بل يثير الكثير من القلق. فالمسألة لها أكثر من بُعد، وهي تتخطّى بخطورتها فعل التمييز إلى فاعله وبيئة الفاعل. 

ذكرت الطالبة مريم دجاني على صفحتها على فايسبوك أنها تعرّضت للتمييز بسبب الحجاب الذي ترتديه بطريقة جعتلها تشعر بالاشمئزاز، فالذي حصل وفقاً لمريم أنها حين طلبت من أستاذها الدكتور سمير خلف إعادة ما قاله "استشاط غيظاً وصرخ في وجهي قائلاً: لا تستطعين أن تسمعيني لأن هذا الوشاح الغبيّ يغطي أذنيك، لذلك، إن نزعت هذا الحجاب ستتمكنين من سماعي بوضوح." وقد استطاعت مريم بفضل وسائل التواصل الاجتماعي أن تحشد عدداً كبيراً من الرافضين لما حصل معها في وقفة تضامنية بعد أيام من وقوع الحادثة.

قد تكون هذه الوقفة التضامنية قد هدّأت من روع مريم قليلاً، وقد تكون الإجراءات السريعة التي قامت بها الجامعة ومتابعة وزير التربية شخصياً للقضية قد هدّأت كل هؤلاء الرافضين لكل أنواع التمييز والذين كانوا كثر وتحركوا بسرعة دعماً للقضيّة، ولكن تبقى هناك بعض النقاط التي يجب التوقّف عندها.

أولها أن الجامعة الأميركيّة، وفي بداية هذا الفصل بالتحديد، أصدرت رسالة طلبت فيها من كل الأساتذة والمعيدين إدراج بند سياسة الجامعة في ما يتعلّق بالتمييز العنصري في بيانات وصف الصفوف. وقد أعاد رؤساء الأقسام إرسال الرسالة إلى كل المعلّمين مشددين على أن يتضمن "وصف المساق" لكل صف سياسة الجامعة بالنسبة للتمييز العنصري. وفعلاً يُلاحِظ المُطّلع على هذه البيانات والتي تقدّم للطالب عادةً خلال الصّف الأول وجود فقرة تتناول سياسة الجامعة بالنسبة للتمييز. أضف إلى ذلك، أبواب المكاتب في الجامعة ومساحات الإعلانات جميعها مليئة بمنشور أصدرته الجامعة، في بداية هذا الفصل أيضاً، يدعو إلى عدم السكوت عن أي تعرّض لأي نوع من أنواع التمييز. مع كل هذه الإجراءات والتشديد عليها من قبل الجامعة فعل سمير خلف ما فعله غير آبه.

وثانيها، وهو خطير، أن ما حصل صادر عن أستاذ في الجامعة، أستاذ ذو تاريخ طويل وإسهامات عديدة في جامعة تُعدّ هي الأفضل في الشرق الأوسط، ذات تاريخ عريق وطويل. فإن تصرفت نخبة المجتمع بهذا الشكل، فماذا ننتظر من العامة؟

لم يكتف سمير خلف بتوجيه ملاحظته التي تنطوي على الكثير من العنصريّة إلى الطالبة مريم دجاني فحسب بل صرّح أمام مريم بأن كلامه ليس لها بل لكل المحجبات. إن كانت نخبة المجتمع على هذه الدرجة من العنصرية فما الذي نتوقعه؟ وما جدوى لوم العامة على تمييزها؟

والنقطة الثالثة التي أرغب بالتوقّف عندها، والتي أرى أنها الأخطر، هي أن سمير خلف من سكان منطقة رأس بيروت منذ طفولته، عاش في هذه المنطقة التي تميّزت بسمة التعايش بين جميع الطوائف والأجناس. سمير خلف هو المساهم الأساسي في ظهور فيلم "ذكريات راس بيروت" للمخرج محمود حجيج، الفيلم الذي سلّط الضو على ميزة التعايش بين مختلف أطياف المجتمع اللبناني في هذه المنطقة بالتحديد. سمير خلف نفسه تكلّم مع مريم في نهاية الصّف طارحاً عليها عدداً من الأسئلة الغريبة التي تُشعر بأنه "لم ير فتاة محجبة من قبل" كما قالت مريم.

سمير خلف تجاهل كل ما تحاول الجامعة القيام به من أجل مناهضة التمييز، تجاهل كونه من النخبة، تجاهل كونه معلّما لعلم الاجتماع، تجاهل جذوره، تجاهل طفولته التي عاشها مع أصناف مختلفة من البشر، تجاهل تاريخا طويلا من التعايش النموذجي في منطقة رأس بيروت، وفي المنطقة نفسها، وداخل حرم أبرز معلم من معالم المنطقة وتحت راية أسمى مهنة، مهنة التعليم، وجّه ملاحظته التي تثير الاشمئزاز والتي تحمل الكثير من التمييز إلى طالبته.

فإن رضيت الجامعة بما حصل فهل سترضين يا رأس بيروت هذا الفعل من ابنك؟





إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard