نهاية عصر البسطات والمقاهي الشعبية على شاطئ الميناء

26 أيلول 2017 | 13:39

المصدر: " النهار"


انقلب المشهد الذي اعتاده المواطنون على كورنيش الميناء بطرابلس رأساً على عقب، وبدا الرصيف الممتد زهاء أربعة كيلومترات كأنه ضرب بزلزال أو عاصفة، فتدمر في ساعات ما بنته في سنين أيادي عشرات من الفقراء في ظروف التوترات الأمنية، وانعدام فرص العمل، أقاموا منشآت على الرصيف للارتزاق.

لم يكن أصحاب البسطات والأكشاك والمقاهي متفاجئين بالقرار الذي اتخذه رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين بإزالة المخالفات. هم يعرفونه، ويعرفون ما يخطط له، وأولى الخطوات إزالة منشآتهم التي يعتبرها علم الدين مخالفات تشوه واجهة المدينة.

ولا ينكر أصحاب المنشآت أنها مخالفات، لكنهم يقولون، كما قال ناصر أبو طه: "ليست المخالفات المتبقية على طول الشاطئ اللبناني أكبر حجماً من مخالفاتنا؟ فليزيلوا تلك المخالفات، ونحن راحلون".

أبو طه قال ذلك، بينما كان عماله يفككون منشآته التي بناها خلال السنوات الثماني المنصرمة. ومحمد، العامل عنده، يقول: "والدي مهاجر، ولا أعرف عنه شيئا، وأعتاش من عملي عند أبو طه، لكن بعد اليوم، من يؤمن قوتي"؟

في مقهى مجاور لأبو طه أيضاً، ومنه امتداداً على طول الشاطئ، يفكك العمال منشآتهم. ورشة ليلية بدأت عند الثانية عشرة ليل الاثنين- الثلثاء، لحظة دخول مهلة الانذارات التي وجهتها البلدية لهم. في أحدها، قال معلم مقهى: "لسنا الوحيدين المخالفين. لكن الفقراء هم من يدفعون الثمن. لن يتحمل العاملون عندنا تشردهم"، ويتساءل: "ألم يكن بالأحرى تنظيم العمل، وتدبير أمور الشباب قبل توقيف أعمالهم؟ عشوائية القرارات تفسح المجال لتزايد الجريمة في البلاد".

لكن القرار اتخذ، ليس للمرة الأولى، وسبق أن أعطي المنتشرون على الشاطئ فرصاً لتدبير أمورهم. لجأ العديد منهم إلى مسؤول اعتاد حمايتهم، ومن ليس له من يلجأ إليه، استفاد من خطوات جاره، فامتدت المسألة حتى اليوم.



منذ أن وصل عبد القادر علم الدين إلى رئاسة البلدية، توجس أصحاب البسطات والأكشاك والمقاهي سوءاً بمصيرهم، فعلم الدين جاد في تنظيم الشاطئ بطريقة حضارية، وهو الذي ترأس لائحة البلدية بعنوان: "المينا حضارة". إضافة إلى أنه يشعر أنه أب مشروع الكورنيش، وأمه. ففي الثمانينات، يوم كان رئيساً لبلدية الميناء، وقعت أحداث طرابلس، وأزيل ركام الأبنية المتضررة، والمنهارة بالمئات، مما أتاح لعلم الدين استقبال الردم، ونشره على الشاطئ، وبناء الكورنيش منه امتداداً من نقطة "البوابة" شمالاً حتى تخوم البحصاص جنوباً.

الأسبوع المنصرم، استشعر علم الدين بقوة السلطة بعد أن بسطت سيطرتها على مختلف المناطق الخارجة عنها، وبقدرتها على حماية قراراته، فأصدر قراره، وبلغ أصحاب البسطات والأكشاك والمقاهي بضرورة إخلاء مواقعهم، وإزالة منشآتهم، مبرراً قراره في بيان أصدره، وفيه إقامة واجهة بحرية منظمة ومرتبة، يستفيد منها أبناء الميناء، أولاً، وإنشاء خط جمع لسيول الصرف الصحي لنقلها إلى مصفاة التكرير قريباً من مصب نهر أبو علي.

مع العلم أن زهاء 15 مصباً للصرف الصحي تصب سيولها في نقاط منتشرة على شاطئ الميناء، تنبعث منها الروائح الكريهة، وتلوث مياه البحر تلوثاً كبيراً على ما أظهرته العديد من الفحوص، ومنها فحص لعينة تولتها جريدة "النهار" منذ شهور.

تبلغ الجميع الإنذار، وراحوا يراجعون لتلافي تنفيذه من كل حدب وصوب، لكنهم لم يلقوا أذناً صاغية، واعتصموا أمس، وتظاهروا، وقابلوا رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي في منزله على الطرف الشمالي للكورنيش، لكنه أبلغهم، على ما نقلوا عنه، أن "المسألة اجتماعية، والمطلوب تنظيمها"، وفهموا أن لا مخرج لهم إلا الإذعان لقرار البلدية.

خرجوا محبطين، وتوجهوا إلى البلدية، وحاول بعض منهم اقتحامها، لكن قوى الأمن الداخلي منعتهم، ووقع إشكال صغير من بعض الشبان المنفعلين، ما لبث أن انتهى، وتدخلت قوة من الجيش أبعدت المتظاهرين بهدوء عن البلدية، ثم راح الجميع يلملم ذيول خيبته، ولسان حال العديد منهم يقول: "لقد تخلى الجميع عنا".

كان عليهم التحضير لفكفكة جنى أعمارهم في السنوات الأخيرة، وأملهم لو نظمت البلدية أعمالهم، وأخضعتهم لشروطها، لا أن تقفل أعمالهم دون تردد مهما كان الإجراء قاسياً.


يوم أخير في حياتهم على بحر الميناء، راحوا يستثمرونه كالمعتاد، يتجمعون لعمل شيء ما، قرروا الإذعان، وعدم الخروج على القانون، واستسلموا للأمر الواقع، وعقدوا جلسات وداعية بعيد منتصف الليل.

محمد النشار صاحب بسطة للقهوة والكعك منذ ثلاثين سنة، قال:"اذا توقفت غداً عن العمل، بماذا أطعم عائلتي؟ نحن مع القانون، ولتمنينا لو عملت البلدية على تنظيمنا بدل إقفالنا وتشريد اطفالنا".

محمد الحنون، قال: "تكلفت اكثر من عشرة الاف دولار على المقهى. من يعوض خسارتي؟ وبماذا أعيل اولادي غداً وبعده. وافاد ان القرار سيطال 114 مركز عمل يعمل فيها ما يناهز الـ500 شخص.

يذكر ان محاولات سابقة جرت لازالة البسطات والمقاهي من بلدية الميناء، وفي ذلك الظرف، انفجرت عبوة ناسفة تحت سيارة رئيس البلدية عبد القادر علم الدين، وربط التفجير بمحاولة ازالة الأكشاك والبسطات.

وفي اتصال مع رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين، اكد ان قرار ازالة الاكشاك والمقاهي هو مطلب أهل الميناء وكل السياسيين والأجهزة الأمنية وكلهم يريدون ان يكون الكورنيش منظماً ضمن المشروع الذي وضعته البلدية.

المشهد صباح اليوم منقلب على الشاطئ بصورة تامة، لم تبق خيمة، ولا بسطة واقفة، ووحدات من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي انتشرت بقوة على الشاطئ تحمي جرافات البلدية، تكمل إزالة ما تبقى من فضلات المنشآت الراحلة إلى غير رجعة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard