البدء بترميم حمام باب الرمل... وحمام النوري ينتظر دوره

24 أيلول 2017 | 16:07

المصدر: "النهار"

انطلقت أعمال إعادة تأهيل الحمام الجديد الواقع في محلة باب الرمل في مدينة طرابلس، وهو يحتل آخر الأبنية الأثرية في المدينة القديمة، ويقع على طرفها الجنوبي قبل تمددها سكنيا وعمرانيا بكل اتجاه، وبذلك يتبع المرحلة العثمانية، ويجاور مواقع أثرية مهمة من الحقبة العثمانية، خصوصا الجامع المعلق. 



بنى الحمام أسعد باشا العظم سنة ١٧٤٠ ميلادية، ويعتبر حاليا أجمل حمامات طرابلس وافخمها، وأجددها، ويمتاز ببوابة شرقية عالية بمستوى طبقتين من الأبنية، وفيه تجاويف ومقرنصات جميلة، وله واجهة رمادية لا توجد في غيره من الأبنية الأثرية، ويظهر الرمادي على التجاويف والمقرنصات والزخارف، وتحيط بواجهة البوابة مداميك من الحجارة السوداء والبيضاء.

يمكن اعتبار نموذج الحمام الجديد تقليدا للعديد من الأبنية المملوكية، والصليبية، لكن ما يميز بوابة الحمام سلسلة من الحجر المتداخل الحلقات، ملتصقة بعضها ببعضها الآخر، وهي حفرت حفرا، وكل حلقة باتت مستقلة عن الأخرى، متحركة ولكن يستحيل نزع الحلقة دون تكسيرها.



ونظرا لأعمال الترميم الجارية فيه، يمنع الدخول إليه، لكن زيارات سابقة له تظهر أن صالة تتوسطه، مربعة الشكل، تتوسطها بركة ماء، وهي وأرضيته من الرخام الأبيض المزين بخطوط رخام أرجواني.

أما بقية تشكيلاته فلا تخالف تركيبة الحمامات القديمة، حيث تحيط بالباحة مصاطب يتخذها المستحمون مجلسا لهم بعد الانتهاء. وله قبة كبيرة تحاكي أكبر قبب مساجد المدينة، وهي ميزة خاصة. والقبة تقوم على أربع زوايا تحمل في أركانها تجويفات بديعة.

ومن باحته تتوزع بقية الأقسام من براني ووسط وجواني، وفي سقفه قبب تحتوي على فتحات مسدودة بالزجاج السميك، للإنارة.



حمام النوري 

ترميم الحمام الجديد يفتح الباب لإنقاذ حمامات أخرى، واهمها حمام النوري المملوكي وهو أفخم حمامات عصره، وأكبرها على الإطلاق، لكنه في الوقت عينه، أكثرها إهمالا وتهميشا. قريبا منه، يقع حمام العبد المملوكي الذي ما انفك يعمل حتى اليوم، كما جرى ترميم حمام عز الدين لسنين قليلة خلت، وهو توقف عن العمل في سبعينات القرن الماضي.  

يضيع حمام النوري خلف مدخل صغير مقنطر يقع في أول سوق الصاغة في طرابلس، على مقربة من الجامع المنصوري الكبير، وفي إطار عدد من المواقع الأثرية التي تزخر بها المحلة.  



يلج الزائر المدخل، وقد يضطر إلى طأطأة الرأس، لتنفتح أمامه منشأة أثرية ضخمة، لا تزال قائمة بكل عناصرها البنيانية، وتراكيبها الوظيفية، رغم ما أصابها من تآكل، ورغم الطحالب والفطريات الخضرية التي نمت على جنباتها، وفي سقفها المتعدد القبب المختلفة الأحجام.  

باحة الحمام تشير إلى زخم وازدهار تاريخي عفا عليه الزمن، ولا تزال المنشآت والتجاويف، والطاقات وبركة المياه التي تتوسطه، كما مختلف الحمامات القديمة الطراز، تتحدى الزمن مؤكدة أهمية المعلم.  

توقف العمل في "النوري" في السبعينات من القرن الماضي، وهو يتكون مثل غالبية الحمامات التراثية من أقسام عدة ، بدءا من الجواني، فالأوسط، فالبراني، ولكل منها حرارة وابخرة معينة يوم كان يعمل. 



تذكر الدراسات الهندسية لدى مراكز التخصص أن من أهم المؤثرات على الحمام هي الممارسات المباشرة للانسان، وغياب الصيانة، وكذلك مخططات المحافظة عليه. ولاحظت الأبحاث العديد من الأمور التي تتهدد الحفاظ عليه، ومنها إزالة داخونه الأساسي، ومعالجة سقفه بالاسمنت مع إضافات الى قببه، في القسمين "الجواني" و"الوسطاني". 

تلاحظ الدراسات ايضا تسرب مياه الأمطار التي يفترض أن تصرفها أقنية التصريف (المزاريب)، إلى سقفه، فتفاقم واقعها، ويزيد المشكلة تراكم الردم والرمال على سطحه بصورة عشوائية، ولمدة طويلة. هذه الأمور تشكل الأرضية الخصبة لتنامي الفطريات الخضرية والأعشاب، كما تنمو نباتات بسبب وجود مواد ملائمة لها في الحجارة والطين. وتبدو جذور نباتات تخترق القبة مخلفة شقوقا وتكسرات ومهددة القبب بالتفسخ، وتغيير تركيبة السقوف.  

الإهمال وعناصر أخرى، أدت أيضا إلى فقدان العديد من أقداح السطح التي كانت تستخدم تاريخيا للإنارة،  

وفي داخله، ونظرا لانعدام العناية، تراكمت على أرضيته وفي جنباته، الأوساخ لمدة طويلة، نجم عنها تخمر، ومواد حمضية تهدد بنيانه وحجارته.

وفي دراسات معهد طرابلس للترميم التابع للجامعة اللبنانية، أن بانيه هو الأمير سنكر نوري بين ١٣٠٥ و١٣١٠ ميلادية. بينما يتحدث عنه المؤرخ الطرابلسي عمر تدمري ذاكرا أنه يعود الى عصر المماليك، لكنه معطل، وتملكه دائرة الاوقاف الاسلامية، وهو من موقوفات "محمود بك السنجق" صاحب الجامع المعروف باسمه عند باب التبانة.  

ويذكر تدمري أنه "يحتمل ان يكون "نور الدين" لقبا لأحد اثرياء طرابلس من الامراء، او القضاة، ومن الواضح انه كان يقيم بالقرب من المدرسة، اذ لا تزال الدور الملاصقة لها تحمل طابع البناء الذي امتاز به المماليك، ولذلك سميت المحلة التي يقوم فيها الحمام والمدرسة "سويقة النوري".  

ويضيف تدمري أن "الوحيد من الاعلام الذين لقبوا "نور الدين" في عصر المماليك بطرابلس ممن وصلتنا اسماؤهم هو القاضي نور الدين احمد بن عبد الرحمن بن رواحة الانصاري الحموي الذي كان رئيسا لكتاب الدرج بطرابلس في ايام أسندمر، لكنه عزل في ما بعد وانتقل الى حماه حيث توفي فيها. ولعله هو صاحب المدرسة والحمام المعروفين باسمه". 

ملكية هذا الحمام آلت في نهاية المطاف الى الامير "محمد بك السنجق" فوقفه للجامع.  وفي الحمام وقفية السنجق المؤرخة في سنة ١٠٢٩ه . وفيها وصف للحمام، وتفصيلاته. 











إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard