هروب من الخاصّ إلى الرسميّ في ضوء إقرار السلسلة

20 أيلول 2017 | 15:58

المصدر: "النهار"

قبل أن تبصر النور، ويتذوّق الموظّفون اللبنانيون حلاوتها ومرارتها، شكّلت سلسلة الرتب والرواتب مكمن هلع، أقرب منه إلى أيّ شيء آخر. وقبل أن يذوق طعمها من يستفيد منها، ألقت تخيّلات وبنَت هواجس عمّا قد تحمله من مُفرح لا يصدقونه، ومن مُؤسف يخشون منه مواقف وممارسات غير مرغوبة، أقلّها عشوائية الضرائب، وانفلات حسابات الضريبة على القيمة المضافة – الـ "تي في أ" - (TVA) بغياب أيّ حسيب أو رقيب.  

  سلسلة الرتب والرواتب تخيف اللبنانيين لاضطرارهم إلى الخروج عمّا استقرّوا عليه منذ عقود، ولما تخفيه من تفصيلات ممّا لم يفهموه. وتأتي السلسلة بعد سنوات طويلة من خبرات التجارب المماثلة التي لقّنت المواطن درس السلطة، والتجّار، ونزوعهم إلى الربح الوفير عند أيّ ظرف ملائم، ومنه الزيادة على الراتب، وتحقيق السلسلة التي دفع المواطنون في ظلال النقاش بها، والحديث عنها لسنوات، ارتفاعاً متكرراً في أسعار السلع دون ضابط. 

  وما إن أقرّت السلسلة، حتى استرجع المواطنون، خصوصاً غير المعنيين بالسلسلة، تجارب الزيادات السابقة، وكيفية التهامها للزيادات التي حملتها. وهم باتوا يدركون انعكاسها على أقساط أبنائهم في المدارس الخاصّة التي ينوؤون تحت أثقالها، قبل إقرار السلسلة، فكيف الحال بعد إقرارها؟ 


أقرّت السلسلة، وما إن فتحت المدارس الرسمية أبواب التسجيل لديها، حتى ازدحمت الأبواب بالأهل بشكل لافت وغير مسبوق، يريدون تأمين مقعد للابن، قبل تعرّضهم لترحيل غير مرتقب في المدارس الخاصّة التي باتوا ينوؤون تحت صلافتها.

  لذلك، تشهد المدارس كثافة نزوح من المدارس الخاصّة إلى الرسميّة. ولا يستغرب المسؤولون عن القطاع التربوي هذا الهلع، لكنهم يعبّرون عن مفاجأتهم بحجمه غير المسبوق، فـ "هو اليوم ضعفا الأعوام الماضية"، بحسب مسؤول تربوي رفيع يفيد بأنّ "المسح التربوي مستمر، ولم يصل إلى الخواتيم التي بواسطتها يمكن تحديد عدد الطلاب، ونسبهم، هاربين من الخاصّ إلى الرسميّ". 

الإقبال على المدرسة الرسمية له سببان، أنها بدأت تأخذ حيزاً هامّاً، وتشكّل نجاحات مميزة في الشهادات الرسمية. المتوسطات والثانويات تعطي نتائج إيجابية، ونتائج الشهادات هو الدليل.  


السبب الثاني هو إقرار سلسلة الرتب والرواتب الجديدة، ما افترض زيادة الأقساط في المدارس الخاصّة، إن لم يكن الآن فلاحقاً، إضافة لتخوّف الأهالي من ارتفاع الأسعار بصورة عامّة، ما يشكّل إرهاقاً عليهم. ويبدو أنّ الناس اتخذوا إجراءات احتياط وقائي لمواجهة كل تلك الأمور، وأولى الخطوات الهروب من الأقساط إلى المدارس الرسمية المجّانية.

صحيح أنّ الدولة تضغط لعدم رفع الأقساط، لكنّ المواطن كمن كوته النيران، إن لم يقع في المحظور الراهن، وقع في الخوف من التغيرات التي قد تأتي. ويخشى الأهل من تعرّض المدرسة الرسمية للضغط، فنراهم اليوم يسرعون في ما يشبه الحجز على مقعد دراسيّ في المدرسة الرسميّة، بحسب المصدر التربوي.

هناك أمر ثالث، وهو أنّ الكثير من الأهالي يقعون تحت مستحقّات أقساط أبنائهم المتراكمة في المدارس الخاصّة، ويفيد المصدر أنّ "سعياً سريعاً قد حصل لدى قاضي الأمور المستعجلة لإصدار أحكام تؤهل الطالب للحصول على إفادة تسجيل في المدرسة الرسمية، تحميه من التسرّب المدرسي، ويبقى حلّ تراكم الأقساط واقعاً بين إدارة المدرسة الخاصّة والأهل، دون أن يدفع الطالب ثمن هذا الخلاف".

أما بشأن موضوع تقسيط التراكم في المدارس الخاصّة، فيرى المصدر أنّ "معظم المدارس الخاصّة لا توافق على ذلك لاعتقاد إدارتها بأنّ الطالب متى تدبّر أمره في مكان آخر - أي المدرسة الرسمية - فلن يعود بإمكانها ملاحقته".

ويعتقد المصدر أنه "يبدو أنه ستكون هناك صعوبة في استيعاب الطلاب في المدارس الرسمية، والأرقام غير متوفرة بعد. لكن ما يمكن قوله إنّ التدفق من الخاصّ إلى الرسميّ فاق ضعفي السنوات الماضية. هناك ضغط، وقد نتمكن من استيعاب الوافدين الجدد، لكن تبقى هناك تداعيات أخرى مثل تأمين الأساتذة والمعلمين".

عن واقع حال الطلّاب السوريين، يقول: "يتوقف راهناً تسجيل الطلاب السوريين، إلى أن يتم تأمين الطالب اللبناني. الطلاب السوريون لم يتسجّلوا بعد، حتى طلاب الفترة الصباحية منهم. العام المنصرم سجّلنا السوريين واللبنانيين بالتوازي، بعضهم مع بعض".

وقال إنه سيجري السعي لدى المدرسة الرسمية لمسح قدرتها الاستيعابية. وعلى ضوء ذلك، يتم التخطيط لتسجيل الطلاب السوريين. وإذا لم تبق مقاعد في الفترة الصباحية، فعندئذ يتم اللجوء إلى فترة ما بعد الظهر".

يختم المصدر أنّ "المشكلة التي تقع اليوم هي في مدارس المرحلة الأساسية، حتى البريفيه، لا الثانوي".

وعلى مدخل المنطقة التربوية في طرابلس، يحتشد العشرات من المواطنين في كل لحظة، يتسلّمون إفادات التسجيل في الرسمي، ويتواصل الازدحام طوال فترة الدوام الإداري، مع العلم أنّ وزارة التربية الوطنية مدّدت فترة التسجيل حتى العاشر من تشرين الأول المقبل، في مذكرة وضعت أولوية التسجيل للطلاب، اللبنانيين، أولاً، ثم المولودين من أمّ لبنانية، ثم التلاميذ غير اللبنانيين الذين تابعوا الدراسة منذ ثلاث سنوات، فالتلامذة الفلسطينيين المقيمين في لبنان منذ ما قبل الأزمة السورية، وأحكام متممة.  

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard