انتحار الشباب قدر أم قرار؟

19 أيلول 2017 | 16:40

قدر أم قرار؟

بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة الانتحار المصادف 10 أيلول، دلّت الإحصاءات الوطنية على ارتفاع نسبة الانتحار 15% لدى الشباب في لبنان عن النصف الأول من عام 2017 مقارنة مع مثيلتها من العام المنصرم. كذلك بيّنت الإحصاءات الدولية أنّ الانتحار هو السبب الثاني لموت الشباب ما بين 15 و 19 سنة، وأنه يصيب الفقراء والمترفين سواء ولأسباب متعددة. 

كثرت حوادث الانتحار في الجبل منذ مطلع هذا العام: مقتل الشاب نبيل ع. في بيصور، الشاب وائل أ.ع. في مرستي (إطلاق نار)، الشاب سليمان ق. في كفرحيم (السم)، الشاب إيلي ك. (ألقى بنفسه من شرفة منزله في الطابق الخامس في محلة أدونيس)، الفتاة تيريز خ. التي عثر عليها جثة هامدة قرب مرأب للسيارات في محلّة حارة صخر نتيجة تناولها كمّية من السمّ، إضافة إلى حوادث أخرى.

تنوّعت أساليب الانتحار، واختلفت الأسباب والنتيجة واحدة: الموت وحسرة الأهل على فلذات أكبادهم.. وقلق من المستقبل.

اقرأ أيضاً: حالات انتحار في الشوف تثير القلق... أي دوافع؟

إنّ الانتحار نوع من العنف الموجّه نحو الذات، يقدم عليه فاعله عمداً وبإرادة منفردة لقتل النفس البشرية التي وهبها الله للإنسان، وينتج ذلك إجمالاً من اضطرابات نفسية معقّدة ومتعددة نتيجة اكتئاب حادّ أو هوس إدماني: مخدرات، جنس، قمار (انتحار بائع أدوية في بلدة الكفير نتيجة خسارته في لعبة على الإنترنتTexas Holdem) ))، وقد يكون نتيجة صدمة حياتية عجزت قدرة المنتحر عن احتمالها. هذا الانتحار قد يكون مباشراً من فاعله إثر تناول السمّ، إطلاق النار، السقوط الإرادي من شاهق، الشنق، أو قطع شريان اليد (الشاب توفيق ق.)، أو قد يكون مقنّعاً: نتيجة تلهّي سائق سيارة مسرعة باستخدام الهاتف الخليوي (مقتل الشابّين القاصرين: أندرو ومايكل بتاريخ 28/5/2017 نتيجة تدهور سيارتهما في واد سحيق). يصيب الانتحار الفتيان بنسبة أكبر من الفتيات، وقد يكون فردياً أو جماعياً:

1- إقدام 59 شخصاً على إحراق أنفسهم من أتباع الدافيدية Davidism فيWaco Texas عام 1993 ولمنع الشرطة الفدرالية التي حاصرت الموقع لثلاثة أيام وفشلت بمحاورة المعتصمين، حول مطالبهم من الحكومة: بإجازة زواج المثليين.

2- إقدام السيدة غريس ج. في بلدة عين علق على الانتحار بعد تناولها السمّ وإطعام بناتها الثلاث، وهنّ دون الـ 12 سنة، من سلطة الفواكه التي أعدّتها بنفسها لها ولهنّ ممزوجة بالسمّ، إذ مات الأربع وسجلت شريطاً تروي فيه أسباب الانتحار لخلافات زوجية حادّة!!

3- إقدام محمود ش. في بلدة شحور على قتل زوجته وابنته، ثم انتحر مستخدماً السلاح الحربي عينه ولأسباب عائلية.

يجب التفريق بين العملية الاستشهادية التي يقدم عليها الإنسان بملء إرادته وعزمه، دفاعاً عن قضيّة وطنيّة: صدّاً لعدوّ غاصب، أو لنصرة عقيدة اعتنقها، حيث تمسي عملية قتل النفس بطولية واستشهادية لا انتحاراً، ومن الطبيعي أن ينظر إلى قتل النفس هنا على أنه استشهاد من أتباع الضحية وإرهاب من الفريق الآخر! إننا بالطبع نبحث عن إقدام الضحية على قتل نفسها نتيجة أزمة حادّة وتخلّصاً من ظروف داخلية مأزومة!

إنّ أسباب الانتحار تتنوع وغالباً ما تحصل بقرار تتخذه الضحيّة في اللحظات الأخيرة من حياتها، وحيث تمتنع عن استشارة الأهل أو الأصدقاء، أو المعالج النفسي، فتقدم على الانتحار بلحظة تخلّ، وتترك أبلغ الأسى واللوعة عند أهلها المفجوعين والمصدومين من انتحار فلذة أكبادهم الذين يرجون لهم المستقبل الزاهر، وللأسف يعانون انتقاد المجتمع لهم لإهمالهم مراقبة المنتحر والتسبّب بموته!!

قدّمنا خلال الصيف المنصرم محاضرات عدّة في موضوع: انتحار الشباب في الجبل: أسباب وحلول، إضافة إلى دور المخدرات وسوء استخدام الهاتف الخليوي في انحراف الشباب، في بلدات: عبيه، عاليه، معاصر الشوف، مزرعة الشوف، حاصبيا، شارون وعيناب، وبدعوات من المجتمع المدني والبلديات والمجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدروز، مع اختصاصيين ومدربين في العمل الاجتماعي لتوعية الناشئة والأهل بهدف حماية الشباب من الانتحار والانحراف الذي يهدد مستقبلهم، لا بل مستقبل الوطن كله.

اقرأ أيضاً: محاولات انتحار بين الطلاب في لبنان والعدد حول العالم قد يصل إلى 5000

من المسؤول عن تنامي ظاهرة الانتحار بين الشباب؟

هل الانتحار قرار تتخذه الضحية بكامل إدراكها ووعيها، أم أنه نتيجة اللاوعي المحبط الذي يعيشه المنتحر بلحظاته الأخيرة وكأنه قدر إلهي؟

أ- دور الأهل: بعدما اندفعت الفتاة للتعليم الجامعي والانخراط في الوظيفة الأمنية والإدارية والقضائية والديبلوماسية، كما في وظائف القطاع الخاصّ، تبعاً للكفاءة العلمية والمهنية، أضحت تشارك الزوج في العمل خارج المنزل، وتلاحق متطلبات العمل في المنزل وخارجه تماماً كالزوج، الذي يسعى لكسب العيش وسدّ المصاريف المترتّبة: التعليم، الطبابة، الطعام وغيرها. لم يعد الوقت متّسعاً لدى الأم أو الأب للوقوف على أوضاع أبنائهم، لا سيما مع استخدام الحاسوب، I Pad، الذي تلزم بعض المدارس الباهظة الرسوم اقتناء الطلاب له، فها هم الأهل يتركون أولادهم يدرسون في غرفهم المقفلة، مثبتين السمّاعات المحكمة الإغلاق على آذانهم بدون رقابة، فيما ينصرف الأهل لإنجاز المتطلبات المنزلية والواجبات العائلية، ومراجعة رسائل وتسجيلات تردهم عبر Whatsapp وما يقتضي ذلك من الوقت لا سيما مع مجموعات صديقة!! قد يستخدم الأبناء المخدّرات الرقمية Digital Narcotics التي ترتكز على الإنترنت؛ كمبيوتر أو هاتف خليوي، وتشكل ضرراً عصبياً ونفسياً وقلقاً يماثل أضرار المخدّرات الملموسة Tangible: حشيشة، هيرويين، كوكايين، حبوب مهلوسة.. تفقد مستخدمها الإدراك الطبيعي وغالباً ما تقود إلى الانتحار، كاستخدام برنامج Blue Whale وغيره من الطرق التي تحبط الشباب، وتصور لهم أنّ الموت هو الطريق الأنسب للانخراط في حياة جديدة أكثر تشويقاً وتحدّياً.

إنّ إغفال الأهل لدورهم الأساس بمراقبة أبنائهم في المدرسة والمنزل، قد يسهم بانحرافهم وتراجع نتائجهم المدرسية، علماً أنّ معظم الجامعات لا تسمح للأهل بالوقوف على نتائج أولادهم الأكاديمية، بحجّة المحافظة على خصوصيّة الطلّاب، مع التركيز على أنّ الأهل هم الذين يجمعون دراهم أقساط أولادهم الجامعية والمتأثرون مباشرة بنتائج أبنائهم سلباً أو إيجاباً. على الأهل التفتيش في حقائب وخزائن أولادهم عن أدلّة تدلّهم على تعاطي الشباب المخدّرات: معدّات ووسائل، قطع من الحشيشة، بودرة المخدّرات وغيرها والتحرّك بسرعة لمعالجة الواقع بالطرق المناسبة قبل تمكّن العلّة التي قد تدفع إلى الانتحار هرباً من مواجهة الأهل. وقديماً قيل: "درهم وقاية خير من قنطار علاج".

إنّ خلق فسحة الوقت الإلزامية للقاء الأهل وأولادهم في المنزل ضرورية، بعيداً من الهاتف الخليوي والاتصالات، والاستماع إلى ما يزعج أولادهم والإنصات إلى مشاكلهم ومناقشتها معاً، وقد تجنّب اللجوء إلى الانتحار.

ب- دور المدرسة: يمضي الشباب الوقت الطويل بين رفاقهم ومعلّميهم في المدرسة أو الجامعة، حيث يتم التركيز على الموادّ المقرّرة للتخرج وهي غالباً بعيدة من التنشئة الوطنية والوقاية من الجريمة، وخلق فسحة من التفاؤل لدى الطالب الجامعي الذي لا تصل إلى هاتفه الخليوي الملتصق به دوماً إلّا الأخبار غير المطمئنة للمستقبل. ينقل إليه الهاتف الخليوي معلومات كثيرة جداً عن أحداث العالم ولبنان ورسائل الأصدقاء، فيرتبط الطالب بمجموعة تتخمه بالرسائل والتسجيلات التي لا طاقة له لاحتمال قراءتها. وكم من طالب جامعي قضى نتيجة جرعة قويّة من المخدرات أو أقدم على الانتحار نتيجة صدمة بنتائج دراسية أو أزمة عاطفية لم يقوَ على احتمالها.

إننا نلفت إدارة الجامعات الخاصّة والحكومية والثانويات إلى ضرورة إدخال مادّة المواطنة والتنشئة المدنية وتشجيع الطلاب على الانخراط بالنشاطات الرياضية والكشفية، التي تجمع كل الطوائف بعقيدة إنسانية ووطنية تهدف إلى مصلحة الوطن ومستقبل الشباب وتجنّب الشباب التوهّم بأنّ الانتحار هو الوسيلة الفضلى للتخلّص من مأزق شخصيّ يعانيه الفتى، وأنّ كتمان ذلك عن الأهل المرتبطين به ليس الحلّ المناسب.

ج- دور الإعلام: بعدما غدا الهاتف الخليوي، المتصل بالإنترنت والملتصق بالشباب كلّ الأوقات ومختلف الأمكنة، المصدر الأساس للمعلومات والدعايات والاطلاع على برامج التلفزة وyou tube، أضحت رقابة الدولة والمجلس الوطني للإعلام محدودة، لكن ذلك لا يعفي الدولة من نشر توجيهات وبرامج ومقابلات للتحذير من سوء استخدام الهاتف الخليوي، الانحراف نحو المخدّرات، ومكافحة الفساد في إدارات الدولة المحبط للناشئة، ونشر الإجراءات المتخذة من قبل أجهزة الرقابة القضائية أو المسلكية بحقّ الفاسدين، ما يعزّز ثقة الشباب بإداراتهم ويعزّز بقاءهم كقوى منتجة في الوطن بدلاً من المهجر ويبعدهم من الإحباط والانتحار، علماً أنّ الأجهزة الأمنية تكشف أخطر الجرائم وتحمي الوطن من الإرهاب المحيط بنا من كل جانب. هل يمكن للدولة منع بعض صفحات التواصل الاجتماعي:Blue Whale أو غيرها التي تظهر للشابّ أنّ الخلاص هو في الانتحار، الطريق الأقرب نحو عالم جديد مشرق!

على الحكومة خلق فرص عمل جديدة للشباب المتخرّج بكفاءة عالية، وأن تعتمد الكفاءة والجدارة فقط باختيار الموظف لا التوزيع الطائفي والسياسي والمحسوبيّات، إذ يخلق ذلك أزمات وحسرة لدى بعض الشباب، وأن تظهر انتصارات الجيش وكفاءة القوى الأمنية الساهرة على سلامة الوطن، بذلك نعزز ثقة الشباب بدولتهم ونجنّبهم إحباطاً قاتلاً أحياناً.

إذا كانت الدولة مكوّنة من أحزاب وكتل نيابية تتنافس لكسب مقاعد أكثر في المجلس النيابي أو الحكومة، وتوظف المحسوبين عليها ولو كانوا أقلّ جدارة من غير الأنصار الأكفاء، فيبقى دور المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية NGOs أساسياً بتنظيم الندوات واللقاءات لتوعية الشباب ونشر مفهوم المواطنة الصحيحة التي يلتفّون حولها، وبثّ التفاؤل بغد مشرق وعدالة سويّة وأجهزة تعمل بتجانس وثقة وجدارة للمحافظة على الكيان الوطني وسلامة المواطنين والمقيمين.

إنّ الانتحار قرار تتخده الضحيّة في اللحظات الأخيرة من حياتها، دون الالتفات إلى مساعدة الأهل أو الصديق أو الهيئات غير الحكومية المساعدة، وهذا القرار ليس الحلّ الصائب بنظرنا لكنه الوحيد المتاح للشابّ حيث يهيئ الوسيلة منفرداً دون معاونة الغير: السمّ، الشنق، إطلاق الرصاص، القفز من شاهق، ذبح شرايين يده وغيرها. وهذا القرار لا يعيد دراسته المجنيّ عليه، بل ينفذه بسرعة وتحت تأثير ضغط نفسي قاتل ومحبط وغالباً ما يأتي الأهل متأخرين عن معالجة الأزمة بين ابنهم وصديقته، أو مع تاجر المخدرات، أو خصم داخليّ أحياناً.

إنّ الانتحار ليس قدراً محتوماً، إنه حالة يضع المنتحر نفسه فيها إرادياً في البداية وما يلبث أن يمسي أسيرها فتقوده إلى الانتحار والكارثة.

على الدولة، الأهل، المدرسة والمجتمع المدني التعاون لخلق البيئة المستقرّة بعيداً من المخدّرات وسوء استخدام الهاتف الخليوي وتشريع قوانين مدنية بعيدة من الأصولية الطائفية يحتكم إليها المواطنون، إضافة لقوانين الأحوال الشخصية لكل طائفة. كذلك إضفاء الثقة بقدرات السلطة، بتأمين الخدمات المطلوبة للمواطن ونشر الأمن ومكافحة الفساد المستشري بقوّة بين الموظفين وإظهار هيبة الدولة العادلة والراعية، وتمتين علاقة الأبناء بذويهم، يعرضون مشاكلهم في الجامعة والمجتمع، ويقدم الأهل العناية اللازمة، بذلك نخفف من ارتفاع نسبة الانتحار بين الشباب، الذي يكسب الأهل الصدمات النفسية ويضعهم في اكتئاب صعب، ويجعلهم بحاجة إلى العناية والمعالجة بدلاً من تقديمها إلى الأبناء الضحايا.

قائد الشرطة القضائية سابقاً (2005-2010) محلل جنائي استراتيجي 

Anwar.yehya@gmail.com

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard