براعة التحري في تصنيف بقايا بصمة تكشف خفايا مخطط إرهابي لزرع المتفجرات في بيروت

13 أيلول 2017 | 19:52

المصدر: "النهار"

بقايا البصمة المرفوعة عن الجثة مع بصمة محمد ضحى المحفوظة في ارشيف الأدلة الجنائية.!

مطلع السبعينات من القرن العشرين، شهدت بيروت حروب الاستخبارات المتضادة بعد أن قدم المعارضون السوريون لنظام الرئيس حافظ الأسد والعراقيون المعارضون لنظام البعث في العراق، واستقبل لبنان عشرات الألوف من اللأجئين الفلسطينين الذين قدموا بنتيجة أحداث الأردن 1970 ما بين حكم الملك حسين والمنظمات الفلسطينية والتي انتهت بإخضاعهم التام لقبضة النظام الأردني، فكانت المخابرات: الفلسطينية بصدام مع الأردنية، والعراقية ضد السورية، والأرمنية ضد التركيةن ناهيك بدور الاستخبارات الإسرائيلية العدوة، وكان على الأجهزة الأمنية اللبنانية العمل بتضامن لحماية السلامة العامة وفرض مراقبة دقيقة على هذه الاستخبارات المستقرة في بيروت لأسباب شتى. 

يوم 4 آذار 1972، اغتال مسلحون في طرابلس اللواء السوري محمد عمران، والذي كان أحد أبرز قادة انقلاب 8 آذار 1963 في سوريا والذي أضحى معارضاً لحكم الأسد بعد العام 1971 وكثرت التفجيرات وبات عهد الرئيس سليمان فرنجية (1970-1976) بمواجهة موجة تفجيرات استهدفت العاصمة والضواحي وبلدات أخرى، علماً أن حكومة الرئيس صائب سلام كانت تستعد لإجراء الانتخابات النيابية المقررة في شهر أيار من العام 1972 وفقاً للدستور اللبناني.

ليل 8/9 نيسان من العام 1972، استهدفت العاصمة بيروت بأربع تفجيرات بفاصل زمني لا يتجاوز ربع الساعة، ما بين المتفجرة والأخرى، أوقعت خمسة جرحى، وآخرها متفجرة الطريق الجديدة: مبنى سعيد فخري، حيث أسفر الانفجار عن جثة متناثرة مشلعة ومجهولة الهوية، مما أدى إلى موجة ذعر حقيقي لدى السكان. حضرت الأجهزة الأمنية للتحقيق وحضرت دورية من مكتب الأدلة الجنائية في الشرطة القضائية، للتفتيش عن الأدلة، ولم تعثر على أي دليل لحرص الجناة على عدم ترك أي شيء يكشف هوياتهم.

جثة متناثرة ومقطعة على بعد عشرة أمتار من مكان متفجرة الطريق الجديدة

انتقل رئيس الحكومة ووزير الداخلية الأستاذ صائب سلام الى مبنى مجمع حبيش في رأس بيروت لمتابعة التحقيقات بكشف خفايا هذه التفجيرات المتلاحقة في العاصمة بحضور الأستاذ هشام الشعار ، مدير عام قوى الأمن الداخلي والعقيد هشام قريطم قائد شرطة بيروت والعقيد رؤوف عبد الصمد قائد الشرطة القضائية ومدعي عام التمييز القاضي ميشال طعمة، كما حضر مدير عام الأمن العام العقيد أنطوان الدحداح ورئيس مخابرات بيروت في الشعبة الثانية في الجيش اللبناني.

نقلت أشلاء الجثة بعناية الى مشرحة مستشفى الكرنتينا الحكومي حيث كلف الملازم الأول نقولا شهوان، رئيس مكتب الأدلة الجنائية، الشرطي رياض أبو جودة، أحد تقنيي المكتب والاختصاصي في العلوم الجنائية من جامعة شيكاغو الأميركية ويحمل شهادة تقدير في علم البصمات، لأستخلاص مرتكزات لتصنيف بصمة الجثة التي لم يسلم من أصابع اليدين العشر سوى: الإبهام والسبابة اليمنى. عاون أحد اطباء المستشفى في تجميع بقايا الجثة وباشر الشرطي أبو جودة تصنيف بقايا الإصبعين.

نحو الساعة الثالثة من فجر اليوم التالي نقل الشرطي هذه المحصلة وبسرعة الى إدارة المكتب لمقارنتها بالمحفوظات التي تفوق المليون بصمة في أرشيف الأدلة الجنائية. إنها بصمة إبهامية بامتياز ويصعب حسم أمر التصنيف لدواع فنية.

لم يكن هناك تقنيات حديثة للمقارنة، لا كمبيوتر أو معدات متطورة، بل فطنة وذكاء وصبر. لحسن الحظ، طابقت معظم مرتكزات البصمة الإبهامية مع بصمة محفوظة لديهم باسم محمد ضحى، عنوانه مخيم صبرا والذي سبق أن أوقف بقضية متفجرات.

على الفور أعلم الرؤساء ورئيس الحكومة، وزير الداخلية، الذي كان لا يزال في مبنى حبيش ينتظر نتائج جهود الشرطة القضائية لتحديد هوية صاحب الجثة، والتي يعتقد بأن الانفجار قذفها بعيدا، كما توجهت قوة مشتركة من الشعبة الثانية والشرطة القضائية لدهم منزل محمود ضحى في المخيم والقوا القبض على شركائه الذين لم يهربوا ظناً بأن الجثة الممزقة لن ترشد الأجهزة الأمنية إلى تحديد هوية صاحبها والذي تبين بأن محمد ضحى، قد أخطأ بتجهيز المتفجرة بالتوقيت المناسب قبل زرعها، فانفجرت بين يديه وقذفته عدة أمتار من مدخل بناية سعيد فخري، حيث كان مقرراً زرعها وحيث يقيم فيها أحد المسؤولين غير اللبنانيين!!

ضبطت كمية من المتفجرات والوثائق التي كشفت ما كان التنظيم، الذي ينتمي اليه الجناة، ينوون القيام به لإثارة الذعر وملاحقة خصوم سياسيين غير لبنانيين والضغط على الحكومة اللبنانية لإعطائهم مزيداً من حرية التنقل مع السلاح الفردي.

أحال مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية التحقيقات على الشعبة الثانية لمتابعتها، وقد شكلت جهود الأدلة الجنائية وذكاء الشرطي رياض أبو جودة المدخل الاساسي لتحديد هوية صاحب الجثة وكشف خفايا موجة التفجيرات التي استهدفت العاصمة ومناطق اخرى من الوطن وجنبت الأهالي وقوع ضحايا وخسائر مادية إضافة الى موجة القلق وعدم الاستقرار التي سادت في المدينة.

استدعى الرئيس صائب سلام الشرطي أبو جودة وهنأه على كفايته وجدارته بتصنيف بصمة ناقصة وسرعة إجراء المطابقة التي جاءت إيجابية مع محفوظات الأدلة الجنائية وكشفت هوية أحد الجناة وطلب الى مدير عام قوى الأمن الداخلي ترقية الشرطي رياض أبو جودة الى رتبة عريف استثنائياً تقديراً على إنجازه الجنائي المميز، وأعلن خلال مؤتمر صحافي في رئاسة الحكومة عن خفايا المتفجرات الأربع ذات المرجع الواحد وجهاز الاستخبارات عينه الذي زرع أكثر من عشر متفجرات سابقة.، وأشاد بدور الشرطة القضائية المتخصصة بالعمل الجنائي والتصدي للجريمة عبر اعتماد الأساليب الحديثة المتطورة وكفاية رجال التحري العاملين تقنياً بالتفتيش عن الأدلة الجرمية واستثمارها لكشف الحقيقة التي يسعون الى تبيانها واعتماد أساليب التحقيقات الجزائية بعيداً من العنف والارتكاز الى أدلة ثابتة.

رقي الشرطي أبو جودة الى رتبة عريف فوراً وأدخل الى تقنيات الأدلة الجنائية العاملة ضمن وحدة الشرطة القضائية علوماً تلقاها بالخارج واكتسب الخبرات الميدانية مع رفاقه بالمكتب والذين نال معظمهم مكافآت عديدة من: تنويهات، تهانئ، مكافآت مالية، ترقية استثنائية. وشكلت الأدلة الجنائية بحينها المرتكز الأول لعمل الشعبة الثانية والأمن العام في زمن كان هذا المكتب وحيداً ويعمل لمصلحة كافة القوى المسلحة والتي يعهد اليها بحفظ الأمن وتأمين السلامة العامة وحماية الوطن من الإرهاب والتجسس والمحافظة على هيبة الدولة عبر فرض هيبة الأمن، كما طلب الرئيس فؤاد شهاب من المقدم عزيز الأحدب حين عينه مديراً للشرطة في العاصمة حيث قال: "هيبة الدولة من هيبة الأمن والشرطي الذي يعكس قوة الدولة الراعية وليس الدولة البوليسية".

تطورت الادلة الجنائية اليوم لتصبح عاملة ضمن قسم المباحث العلمية المرتبط بقائد الشرطة القضائية، وامست تضم مكاتب للتحقق من الهوية حيث تجرى مقارنة البصمات المرفوعة من مسارح الجرائم بواسطة مكاتب الحوادث المنتشرة على كل الأراضي اللبنانية، إضافة الى مكتب المختبرات الجنائية حيث تجرى تحاليل الحامض النوويDNA لتحديد مدى ارتباط المشتبه فيه بشخص آخر، أو علوم المتفجرات والسموم Toxicology وعلم الأسلحة Ballistics ناهيك بخبراء المتفجرات لتعطيلها قبل انفجارها، وكم من رجل تحرٍّ يعمل خبيراً بكشف المتفجرات استشهد أثناء العمل على تعطيلها أو فقد يديه الاثنتين أو نظره، وثم الكلاب البوليسة K 9، الأفضل في كشف المتفجرات وهي الأدق بعملها وفقاً لخبرتنا في هذا المجال.

إن تكامل العمل الأمني يكون نتيجة ثقة الأجهزة بعضها ببعض، وسرعة تبادل الاستخبارات الأمنية التي تقود العمل الشرطي: Intelligence led policing بإشراف النيابة العامة المختصة والعاملين تحت إدارتها كضابطة عدلية، وتعاون المواطن مع هذه الأجهزة التي تهدف الى حمايته مع ممتلكاته وحماية الحريات في إطار القانون وتأمين الراحة العامة.

حيث إن لدى الشرطة القضائية قدرات عالية ولوجستية متطورة وتضم قطعات متخصصة في مكافحة الجرائم والبحث والاستقصاء عنها:

ولئن تعاونها مع وحدتي الدرك الإقليمي وشرطة بيروت اللتين يضمان المخافر والفصائل الإقليمية وحيث يقصد المتضرر والضحية للشكوى، ضمن نطاق الجرم المشهود، يضاعف من فرص توقيف الجاني.

نقترح الاستفادة من الخبرات الفنية والتحقيقية لدى عناصر التحري العملانيين والاختصاصيين،

 بذا تنشر قوى الأمن الداخلي ثقة المواطن بأجهزتها، فتبسط الأمن ويزدهر الاقتصاد ويعم الرخاء ويبقى لبنان مقصد شبابنا، ثروة المستقبل، لا المغترب الذي يستقطب اكثرية أدمغة المتفوقين اللبنانيين الذين نعتز بهم أينما كانوا واستوطنوا!

anwar.yehya@gmail.com

العميد المتقاعد أنور يحيى

قائد سابق لوحدة الشرطة القضائية (2005-2010)

محلل جنائي استراتيجي.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني