الكرديّ الهائم... متعب الانتماء إلى شعبٍ ماتَ بكلّ الطرق والأساليب والأسلحة

12 أيلول 2017 | 11:39

إنسان هائم... لوحه للفنان السوري خليل حنوش.

أعيش في #فرنسا منذ نحو سنة وأربعة أشهر. لا أجيد اللغة الفرنسية، بل أحاول أن أتقنها منذ ستة أشهر في الجامعة. خرجتُ من #سوريا بشكلٍ فعلي ومتقطّع منذ ما يقارب السبع سنوات. أعيش في حيٍّ شبه شعبي ولديَّ جيرانٌ أفارقة. صحيح أنهم سمر، لكنهم يحبونني. أتكاسل في أداء واجباتي المنزلية منذ ولادتي. لا أطبخ في البيت إلا نادراً، ولا أرتّب غرفتي إلا في المناسبات. لست كحولياً ولا "محششاً"، وأحاول دائماً أن أغيّر حياتي نحو الأفضل. 

في الصباح، أخرج إلى المقهى القريب من بيتي. يعرفني الحلاّق التونسي وبائعة "البيتزا" المغربيّة وجاري الكردي التركي وبائع السجائر الفرنسي. ليس لديَّ أوراق ثبوتيّة مثل غيري. في سوريا كنت الكُردي الذي كان من واجبه أن يكون عربيّاً أكثر من العرب أنفسهم. تعلّمتُ اللغة العربيّة عنوةً وكتبوا في سجلاتي أني عربيٌ سوري، وعلى رغم ذلك كنتُ أدفع الرشاوى للحصول على جوازِ سفرٍ يشتمني عليه موظفو المطارات في الخارج. لم أدخل السجن البتة، لكن تلك البلاد المدمرة الآن كانت من أكبر سجوني.

في دائرة اللجوء الفرنسيّة بعد وصولي إلى فرنسا. كان عليَّ أن أقوم بتسليم وثائقي السورية لهم. في مقدمة تلك الوثائق، بطاقة الهوية الشخصية وكانت مكسورةً. ثم أعطيتهم جواز سفري السوري المنتهي الصلاحية مع لاصقٍ مزوّر لتمديده. كنتُ أود التخلّص من كلّ وثيقةٍ تربطني بسوريا. لقد "تكرّمت" على الفرنسيين بمنحهم أيضاً دفتر الخدمة العسكريّة الّتي هربتُ منها مع بطاقتي الجامعيّة. قلتُ لهم لستُ سوريّاً وخذوا أوراقي كلّها. كان ردّ الموظّفة: للأسف انتَ تحملُ وثائق سورية. قلتُ لها: نعم للأسف!

للأسف، أنني ولدتُ هناك. في بلدٍ كان يخنقني. في بلدٍ حاولوا تعريبنا فيه. في بلدٍ قال لي عمّي فيه ذات يوم: "لقد كنتَ صغيراً، حين تعرّض كُرد العراق لحملات الإبادة الجماعيّة في عهد الرئيس المعدوم صدام حسين". كنتُ أشاهد كيف يزحف الصغار بين موتاهم على شاشة التلفاز وكنتُ أقول لنفسي، هل سيزحفُ ابن شقيقي الصغير مثلهم ذات يوم!؟".

أمرٌ متعبٌ، الانتماء إلى بلدٍ كان يقتلكَ في معتقلاته ويحرمك لغتك وهويتك ولا يمنحك حقوقك. لكنكَ قد تتنفس قليلاً بمجرّد تخلّصك من وثائقه في مكانٍ آخر. المتعب أكثر من هذا كله، الانتماء إلى شعبٍ ماتَ بكلّ الطرق، بكلّ الأساليب وبمختلف الأسلحة. شعبٌ كان يحاول أن يتحرر من احتلالِ دولٍ عدّة، شعبُ لديه مقابر جماعيّة للمدنيين والمقاتلين، للنساء والرجال. شعبٌ لديه قبورٌ بلا أسماء، وأطفالٌ مثلي كانوا يعرّبونهم في سجلاتهم المدنيّة ويحملون وثائق السفر الخاصة باللاجئين في هذه القارة العجوز.

في هذه القارة العجوز، بعد كلّ هذه السنوات، لا أدري كيف سأواصل نضالي لأجلِ جوازِ سفرٍ أوروبي من المحتمل الحصول عليه مع الجنسية الفرنسيّة. جواز سفرٍ يهمس في أذني الآن، قائلاً: "أيها الكُردي، حتى الأحلام هنا، تافهة وسخيفة، عندما تحمل الكلاب جوازات السفر، وأنتَ منذ وصولكَ إلى هذه البلاد، تتمنى لو كان لديكَ جواز سفرٍ مثلها!".

صحافي وكاتب كردي

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard