"وحدكن رح تبقوا متل زهر البيلسان"

8 أيلول 2017 | 15:57

المصدر: "النهار"

تصوير مروان عساف

سمعتُ يوماً عبارة "الوطنية تعمل ولا تتكلم"، لم أستطع فهم هذهِ العبارةَ المليئةَ بالمعاني والمفاهيم. ولكن اليوم، أصبحت هذهِ العبارةَ واضحة وضوح الشمس ورأيتُ الوطنية بأمِ العين وعرفتُ معناها.

اليوم هي "جمعة لبنان الحزينة"، الحداد والحزن والدموع تغمرُ الوطن، وصرخاتُ الأهالي المفجوعة لن تعيد الزمن إلى الوراء. الوطنية التي تحدثَ عنها قاسم أمين تتجسدُ في جندي أحبَّ وعشقَ وطنهُ حتى الشهادة، إلى أن أصبحَ قرباناً مقدساً على مذبحِ هذا الوطن. إليكم وإلى أرواحكم الخالدةَ في السماءِ ألفُ تحية، أنتم الوطن والعزة والكرامة ولولاكم لقلنا سلاماً على هكذا وطن.

"وحدكن رح تبقوا متل زهر البيلسان"، دمائكم روت ترابَ هذا الوطن وأثمرت كرامةً وعزة. اليوم تصمتُ الأفواه والكلمات ففي حضرة العظماء والأبطال تصغرُ الكلمات وتنحني إجلالاً لكم وينتهي الكلام. الألم كبير والمصيبة عظيمة ولكن يبقى الأمل أقوى وأكبر والإيمان بالله هو الطريق، فلولا الموت لما كانت الحياة، فكيف إذا كانت شهادة؟

إليكم أيها الأهالي الصابرين والمضحّين، أنتم كرامة وعزة هذا الوطن، الساحات تشهد على الحزن والطرقات تشهد على الغضب واللقاءات والمفاوضات والبيانات تشهد على الصبر وأنهُ ليس باليد حيلة. أسماء أبنائكم دخلت كتابَ الشرف اللبناني، أسماء أبنائكم المذهَّبة والمشرقةَ تبعثُ الأمل أن في هذا الوطن ما يستحقُ الحياة، فهنيئاً لكم. لأهالي الشهداء أقول، لقد فقدتم الغالي ولكن ربحتم وطن، فكل أبناء الوطن اليوم أصبحوا أبنائكم. كم هو جميل هذا القلب الذي يحزن ويمشي من دون انكسار! وكم هي عظيمة قوتكم وإرادتكم بالحياة!

لكم ينحني الوطن ولدماء أبنائكم يركعُ ساجداً ولتضحياتكم وصبركم نحن صاغرين. اليوم سيوارى شهدائنا ثرى الوطن، فكم هو جميل الرجوع بعدَ الغياب، ولكن الأجمل العودة شهداء، إخلاصاً وفداءاً للوطن ولأرض العشق الأبدي، فالوطن اشتاق لاحتضانكم بعدَ طولِ غياب.

لقد أصبحتم قضية وطن وبحجم وطن، فالدموع التي ذرفت اليوم روت أرض الوطن، تلك الدموع الصادقة لم تكن حكراً على جماعة أو فئة محددة، يكفي أن تكون إنساناً وتمتلك قلباً لتشعر بمدى الأسى والمرارة.

مع عودتكم اكتمل النصر لأنه من دونكم لا نصر ولا وطن، أنتم الطعم والنكهة لنصر الوطن كل الوطن. أنتم مدرسة لبنان القادمة، التي ستعلم أبنائنا معنى الوطنية والإخلاص والثبات. بكم نفتخر وبأمثالكم يعتز الوطن، وكم أصبحَ جميلاً هذا الوطن عند عودتكم إلى ربوعه.

اليوم هو عرس الشهادة، عرس الوطن، عرس الحياة؛ فكم هو جميل هذا النهار المقدَّس وكم أتمنى أن يطول أكثر وأكثر، لأنه نادراً ما تجتمع لحظات الحزن والفرح في نفس الوقت.

الرحمة لأرواحكم الطاهرة!

الصبر للأهالي الشرفاء!

يحيا الوطن!


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard