وايزمان لـ"النهار": ترامب دارويني رغم إنه يجهل مَن هو داروين!

6 أيلول 2017 | 21:21

المصدر: "النهار"

يأخد فريدريك وايزمان نَفَساً عميقاً بعد تناوله عصيراً، ونحن نجلس معاً في حديقة “موفي ستارز” المحاذية للشاطئ، على بُعد خطوات من المكان الأسطوري الذي صوَّر فيه فيسكونتي “موت في البندقية”. فالرجل البالغ من العمر ٨٧ عاماً، واحد من أكثر السينمائيين نشاطاً في العالم. رغم كونه أبرز اسم في مجال الوثائقي عالمياً، فهذه المرة الأولى التي يشارك فيها فيلم له في مسابقة مهرجان كبير كالبندقية (30 آب - 9 أيلول). بحسرة وسخرية، يعلّق بأنّ الوثائقي لطالما اعتُبر “سينما درجة ثانية”، إلى أن لاحظ بعضهم أنّه قد يكون درامياً بقدر “درامية” الأفلام الروائية.   

جديده، “مكتبة نيويورك العامة”، يدخل في دهاليز واحدة من أهم المكتبات في العالم، كاشفاً النشاطات الكثيرة التي ينظّمها صرح كهذا.

في بداية لقائنا، سألتُ وايزمان الذي قابلته “النهار” ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، عن علاقته بالكتاب، فقال ممازحاً: “علاقتي بالكتب أنني أقرأها. أطالع كثيراً وأشتري الكتب وأحتفظ بها. لا أقرأ أونلاين البتة. تعلمتُ الكثير من قراءاتي. عندما كنت شاباً، كنت أرتاد المكتبة العامة، الآن اشتري الكتب. قبل إتمام هذا الفيلم، لم أدس في مكتبة لسنوات”.

يروي وايزمان الذي فكّك طوال مسيرته آلية عمل المؤسسات الأميركية في أفلام كلاسيكية مثل “جنون تيتيكات” و”مستشفى”، أنّ فكرة إنجاز فيلم عن مكتبة نيويورك راحت تدغدغ مخيلته في ربيع ٢٠١٥، عندما بدأ يفكّر بمشروعه المقبل. فاتصل بمديرها وقُبل طلبه فوراً. بعدها بأشهر، انطلقت عملية التقاط المَشاهد. كالعادة، باشر التصوير وهو لم يحضّر أي شيء، في استمرارية واخلاص واضحين لنهج ترسّخ عنده. وايزمان يعتبر أنّ تصوير أي فيلم هو عملية بحث في ذاته. “لم أفعل إلا اللفّ حول مبنى المكتبة، ثم أخدوني في جولة إلى بعض الفروع الأخرى للمكتبة، فاطلعتُ على النشاطات التي تجري هناك”.

أشياء كثيرة من تلك التي التقطها خلال التصوير، يردّها وايزمان إلى الحظّ، مجرد الحظّ: “حدث أنّني كنت في المكان والزمان المناسبين”.

لا تروقه فكرة أنّ النحو الذي يصوّر فيه المكتبة يجعلها تبدو كدار عبادة: “لا أوافق. في المكتبة أشياء تفيد الناس، على عكس ما نجد في دور العبادة”. ولكن هل إنجاز فيلم عن مكتبة بتوقيع مخرج عاصر ثلاثة أجيال، يعني بمكانٍ ما نعي الكتاب؟ في رأيه، لا توجد أيّإشارة في الفيلم توحي بأنّ الكتاب في طريقه إلى الانقراض.

يبلغ طول “مكتبة نيويورك العامة” ١٩٧ دقيقة. يقول وايزمان إنّه لا يعرف مسبقاً كم ستكون مدة عمل يواظب عليه، ولكن كونه يخوض غمار موضوعات معقّدة، فيرى إنه ليس عادلاً أن يبسّط الناس ويختزل صورتهم وكلامهم ويُخضعهم لمنطق تفرضه عليه التلفزيونات. وهذا يعني في طبيعة الحال إنّه يخوض أحياناً معارك شرسة مع المحطات التلفزيونية. المحطات الأميركية التابعة للخدمة العامة كانت دائماً تعرض أفلامه في ساعة الذروة. “هذه المعركة ربحتها منذ زمن بعيد. ولكن ثمة محطات ترفض عرض أفلامي بسبب طولها. فهي تفترض، وهذا افتراض خاطئ، أنّ الناس لا يحبّون متباعة أفلام طويلة جداً”.

في نظر وايزمان، مكتبة نيويورك العامة تجسّد أفضل ما في بلد كالولايات المتحدة. كما يقول طوني ماركس في الفيلم، فالمكتبة واحدة من أعظم المؤسسات الديموقراطية. وهذا ما لمسه مخرجنا أيضاً من خلال تجوّله في أروقة المكتبة، إذ فيها ناس من كلّ الأعراق والجنسيات والطبقات الاجتماعية. وثمة مكان حتى للذين يشكون من عاهات جسدية. كلهم يستخدمون المكتبة ويعامَلون باحترام ويتمّ تشجيعهم على العلم.

يروي وايزمان أنّه أنهى مونتاج الفيلم يومين قبل انتخاب دونالد #ترامب. وانتخابه كان إيجابياً للفيلم، ولكن ليس إيجابياً لأي شيء آخر. “ترامب هو نقيض كلّ ما يمثّله الفيلم. يكره المهاجرين، بالكاد يقرأ تقارير وكالة الاستخبارات، وليس مهتماً بمساعدة الناس. إنه رجل دارويني جداً رغم إنه يجهل تماماً مَن يكون داروين. المكتبة تمثّل أفضل ما في أميركا، فيما ترامب يمثل الأسوأ. في أميركا، كانت هناك دائماً مجموعات كهذه. عندما كنت صغيراً، صعدت مجموعات من اليمين الأقصى، وهي كانت ضدّ تدخل أميركا في الحرب العالمية الثانية. كاهن معادٍ للسامية كان يتكلّم في الإذاعة كلّ يوم أحد. معاداة السامية كانت منتشرة. الكلو كلوكس كلان كانت نشطة جداً ولا تزال. يمكن المحاججة بأنّ انتخاب ترامب هو نتيجة فشل التربية الأميركية. كثر ممّن صوّتوا له، صوّتوا ضد مصالحهم الاقتصادية. تم التلاعب بعقولهم بواسطة مسائل أخلاقية كزواج المثليين والإجهاض. سياسة ترامب الاقتصادية تساند الغني، لا الفقير”.

عندما مازحتُ وايزمان قائلاً: “هل بإمكانك تصوير فيلم عن ترامب؟”. كان ردّه: “إجلب لي إذناً بالتصوير، وسأطير الليلة إليه!”. لا يفكّر وايزمان ثانية واحدة حتى عندما تسأله عن أفضل رئيس حكم أميركا. جوابه تحت ابطه: “روزفلت وأوباما. ترومان أيضاً كان جيداً”.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard