البندقية ٧٤ - "تدفق بشري": آي وايواي يضع العالم أمام ضميره

4 أيلول 2017 | 18:11

المصدر: "النهار"

باتت الأفلام التي تُعنى باللاجئين والقادمين من خلف البحار محطة أساسية في المهرجانات الدولية. والبندقية (٢٩ آب - ٩ أيلول) ليس على منأى من هذه الظاهرة. فالسينما، هذا الفن الجماهيري بطبيعته، هي أكثر الفنون التي تتفاعل مع المستجدّات حول العالم. بناء على هذه الحقيقة، حمل الفنان المعاصر الصيني أي وايواي كاميراه المشاكسة والمعارضة وتنقّل من بلد إلى آخر ليلتقط معاناة أولئك الذين باتوا بلا سقف يؤويهم وبلا يد تمتد إليهم وبلا مستقبل يدغدغ أحلامهم. اختيار فيلم وايواي الأول، “تدفق بشري” (إنتاج أميركي)، في المسابقة الرسمية إلى جانب أعمال روائية طويلة، امتدادٌ لسياسة تحريرية أعاد #البندقية إحياءها منذ فوز “ساكرو غرا” لجيانفرنكو روزي بجائزة “الأسد الذهبي” قبل أربع سنوات. علماً أنّ وثائقياً آخر يشارك في المسابقة وهو “مكتبة نيويورك العامة” للكبير فريدريك وايزمان.   


صحيح أنّ الإمكانات التي وُضعت في خدمة رؤية وايواي ضخمة، ولا يحلم بها أيّ مخرج مبتدئ، ولكن أحياناً نرى الرجل يكتفي بكاميرا هاتفه المحمول لالتقاط لحظة مهمة. قد تكون مجرّد حيلة لإضفاء بعض الصدقية على الفيلم، إلا أنّها تأتي منسجمة في السياق العام، خصوصاً إذا أخدنا في الاعتبار تاريخ الرجل الحافل بالمناكفات والاعتراض والاستفزاز. النتيجة: نصّ تتصادم فيه لحظات معدّة سلفاً، بعفوية هي أساس كلّ عمل وثائقي.  

بلا مغالاة، يُمكن اعتبار “تدفق بشري” فيلماً مرجعياً عن مأساة اللجوء، وهو يتركّز بشكل أساسي على الفترة بين عامي ٢٠١٥ و٢٠١٦ التي شهدت أكبر موجة لجوء منذ الحرب العالمية الثانية. وايواي، بصدق يصعب التشكيك به، يصوّر وجوهاً معجونة بالألم، تتكدّس فيها الحكايات. لكلّ شخص من الأشخاص الذين يقفون خلف الحواجز العازلة وداخل الخيم الهشّة، سيرة تركها خلفه ومضى، مضطراً، لعدم توافر البدائل. بهذا المعنى، يضع وايواي العالم أمام ضميره. لا يحمّل أحداً المسؤولية، فنصّه بعيد من كلّ ما هو سياسي وعقائدي، إلا أنّ السياسة بمعناها الواسع تفرض نفسها. ”تدفق بشري” من الصنف السينمائي الذي يجعل كلّ شيء طرحاً سياسياً، ولا فكاك للفنّ عنه.

الافتتاح على مشهد جوي للمتوسط الذي ابتلع ٥ آلاف شخص في العام ٢٠١٥، والختام بأكوام من سترات النجاة البرتقالية المرمية على شاطئ يوناني (جمعها وايواي وعرضها في #برلين العام الماضي خلال الـ”برليناله” - مكان إقامته). بالتأكيد، هناك لحظات يفلت فيها الفيلم من يده، وأخرى نشهد على تحوّله إلى رحلة سياحية أو دعاية غير مقصودة لزعيم سياسي، ولكن هناك رغبة شديدة الصفاء في الاقتراب أكثر فأكثر من مأساة تضرب العالم، بعيداً من مانشيتات الصحف. فهناك كلّ يوم ٣٥ ألف شخص يتركون منازلهم على أمل أن يجدوا مكاناً أفضل للعيش…

وايواي لم ينجز ريبورتاجاً تقليدياً مملوءاً بالمقابلات عن قضية اللجوء. إنما انخرط في معركة صمود أولئك الذين قرّروا خوض مغامرة البحر، قبل أن يقتفي آثارهم من بلد إلى بلد (صُوِّر الفيلم في أكثر من ٢٠ بلداً، من ضمنها لبنان)، وصولاً إلى مكان فاقع الرمزية: الحدود اليونانية المقدونية، “بوابة” أوروبا/الحلم حيث في انتظار هؤلاء آمان يفتقدون إليه في أوطانهم. سواء في “أدغال” كاليه أو في مطار برليني أو في مخيم عين الحلوة، مأساة العراقيين والسوريين والأفغان واحدة: استحالة العيش في مسقطهم.


يظهر وايواي في الفيلم مراراً، مطبطباً على الظهور ومازحاً في بعض الأحيان، ولكن فقط بالقدر الذي يسمح له أن يكون صلة وصل بيننا وبين الماضين إلى مصيرهم المجهول. بالإضافة إلى رغبته في التوثيق وتحريك المشاعر والتأكيد على موقف، يريد وايواي لعمله أن يأخد صيغة القصيدة التي تعانق آلام الكون كلّها. كل الاستيتيك الذي حظي به الفيلم يتبلور في هذا الاتجاه، لا سيما في اللقطات الجوّية التي تصوّر المخيمات كلوحة أو منحوتة، إلا أنّ الهبوط الاضطراري على الأرض يكشف حقائق أخرى. كأيّ فنان لا ينسى وظيفته الأولى حينما ينكب على قضية إنسانية، يعرف وايواي كيف ينقل أفظع المآسي الإنسانية في الألفية الثالثة من دون استدراج للعواطف أو استغلال للمادة، وهما الشيئان اللذان ينصبان الفخاخ للكثير من الأفلام التي تدّعي حمل راية الهاربين من الحروب والنكبات. 

اقرأ أيضاً: "البندقية ٧٤" افتُتح بـ"داونسايزينغ": حلّ ألكسندر باين (الغرائبي) لحماية الكوكب!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard