قصر الناووس: معبدان رومانيان مغموران يصارعان الزمن

2 أيلول 2017 | 12:40

المصدر: طرابلس- رولا حميد

من غرائب الأمور اللبنانية، أن ينتصب معبدان رومانيان متجاوران، لم يكن أحد منهما مخفياً، يحتاج لتنقيب أو حفر، لكنهما، على تمايزهما، وأهميتهما، غير معروفين، والتأريخ عنهما قليل، إن لم يكن نادراً.

 

المعبدان يعرفان بـ "قصر الناووس"، تشرف عليهما المديرية العامة للآثار، وينضبط الوصول إليهما بحراسة مشددة، ومن يستطع الدخول والبحث فيهما، قد يعرف بعضاً من حكاياتهما، ولكن، بالتأكيد، سيبقى الأكثر مغمورا إلى أن يتيسر لهما بحاثة تعرف بالعمارة الرومانية، وابعادها.

 

ففي موقع مرتفع في بلدة عين عكرين في الكورة، يطل على منبسطات من سهول الزيتون المترامية التي لا يحدها نظر، وتمتد حتى تلامس البحر، وتنقشع أمامه جنوباً تلال تعلوها معابد مماثلة في مواقع أخرى. والموقع يحتوي معبدين رومانيين، الأول منهما، والقريب من بيوت البلدة حيث يقومان، يبدو أكثر اكتمالاً من الثاني، أو ربما أقل تدميراً منه.

 

يتشابه المعبدان بما يظهر منهما من بقايا، بسائر المعابد الرومانية المنتشرة في الشرق، وعلى قمم تلال سلسلة جبال لبنان الغربية. ووجود معبدين في الموقع عينه قلما يتكرر، لكن شبيها لهما موجود في معابد جبال أكروم في اقاصي عكار الشمالية، عند نهاية سلسلة جبال لبنان الغربية.

 

الموقع يناهز الستمئة متر ارتفاعاً عن سطح البحر، وتنكشف أمامه مناطق واسعة مترامية الأطراف. ويقوم المعبدان في النقطة التي اقتلعت حجارتهما منها، يشير إلى ذلك آثار حجارة مقتلعة، لكن غير مستعملة، وغير محفورة ولا منقوشة، قائمة في الموقع.

 

المعبد الأول

 

المعبد الأول القريب من البلدة أصيب بأضرار كبيرة عبر مرور الزمن، لكن ما تبقى منه يشير إلى معالمه كمعبد متكامل بعناصره المختلفة. فهو يقع لجهة الشرق، يرتفع عن مستوى الأرض نحو اثنتي عشرة درجة سلم، أي ما يناهز المتر والثمانين سنتمتراً عن مستوى الأرض في تلك الناحية. يفضي السلم إلى شرفة المعبد، والتي يبدأ منها الباب المفضي إلى باحته الداخلية، حيث كان الناس يجتمعون فيه لأداء طقوسهم، وتنفتح الباحة من الوسط بسبب تدمير جوانب المدخل، وفقدان عتباته المزركشة. وعند طرفي الشرفة، بقايا عمودين منتصبين منحوتين باستدارة، وقربهما عمودان آخران بارتفاع يزيد على الثمانية أمتار، يتصلان من الأعلى بعتبات حجارة ضخمة، محفورة، ومنقوشة على نمط التراث المعماري الروماني. بقايا تشكيل خارجي تشكل هويته وتكمن في أعمدته، ومنقوشاته، والحفريات في حجارته، ومنها التيجان، وقواعد الأعمدة الضخمة، والمنحوتة بإتقان.

 

تنتهي باحته الداخلية بانخفاض ومخرج عميق يشي بأنه ممر إلى قسم آخر سفلي، أو مخرج منخفض من البناء. وفي جدرانه فتحات خاصة، اعتمدت لتثبيت التماثيل وفق المفاهيم الدينية الوثنية التي راجت زمن الرومان، ولكل منها خصوصيته، بحسب تاريخ البناء.      

 

الباحة ممتلئة ببقايا الحجارة مما تساقط من جدران المعبد بفعل العوامل الطبيعية المختلفة. ولا يبدو أي أثر ظاهر للاهتمام بها، أو رفعها، ولا يستبعد أن تكون الكثير من أجزائه قد جرى العبث بها في فترات متفاوتة عبر التاريخ، والزمن المطبوع بالذاكرة اللبنانية.

 


المعبد الثاني

 

في تخوم العقار الذي يقوم عليه المعبد الأول، توجد بقايا معبد آخر، من الصنف عينه، لكن الدمار الذي لحقه هو أكبر بكثير، أو أن بناءه لم يستكمل. فالجدران الموجودة هي من مدماكين أو ثلاثة فقط، بينما تنتشر في الإطار المفترض له، الكثير من الحجارة المرصوفة قرب بعضها البعض، وكأنها مهيأة للبناء بعدما جرى نحتها، وحفرها. كما توجد حجارة ضخمة محفورة، ومنها أشبه بالتاج الكورنثي، لكن أوراقها الحجر متأكلة تحت عوامل الزمن.

 

كثيرة العناصر التي تستدعي التساؤل عن سببها، ولماذا هي موجودة في باحات المعبد، وعلى جوانبه، منها الحجارة المحفورة، والمنقوشة بإتقان، ومنها نصب إما متأكل أو غير مكتمل. لكن الواضح أن مدخل العقار الذي يقوم المعبد عليه، مبني من حجارة صخرية كاملة، مقتلعة من أرضه، أهم ما يلفت فيها، محاولات حفر عمودين فيه من الجهتين اليمنى واليسرى، وبينما اكتمل حفر عمود منهما، بدأوا بحفر الثاني دون أن يكتمل، مما يرجح أن يكون المعبد قيد البناء، وتم التوقف عن استكماله لتطورات تاريخية غير معروفة على النطاق العام.

 

وفي ملاحظات هندسية أخرى للمعبدين، أنهما أقيما على مخطط واحد بحيث أنهما ينفتحان الى جهة الشرق، ويحيط بكل منهما حرم مستطيل لايتزال بعض أجزائه قائماً. وتظهر عظمة الهندسة الرومانية من خلال الجدران، والأعمدة الشاهقة، والأشكال الطولية المنحوتة التي تمثل، إضافة الى أغصان متداخلة من أشجار الغار، السهم والبيضة وقد رسما جنباً الى جنب.

 

وكما هو متعارف عليه أثريا، فإن الرومان كانوا يرمزون الى الحياة بالبيضة، أما السهم فكان لديهم رمزاً للموت، وهذا النقش المتواصل لرمزي الحياة والموت يشير إلى ما كان الرومان يولونه لآلهتهم من التقدير والخوف.

 


الباحث التاريخي الكوراني الدكتور حنا ساسين عرض للموقع في كتاب أعده عن بلدة "كوسبا" المتاخمة لبلدة عين عكرين ورشدبين اللتين يقوم المعبدان بينهما، ذاكرا أن اسمه، كما هو متعارف عليه، هو "قصر الناووس"، ويورد أن الاب لامانس اليسوعي وصف المعبدين في كتابه "تسريح الأبصار" بقوله: "إذا استثنيت بعلبك وآثارها الجبارية لا تجد في كل لبنان ما يضاهي بقايا "ناووس" وأطلالها اتساعاً وعظمة. اما نقوشها دون نقوش بعلبك دقة وإحكاماً وفيها مسحة من الصناعة السورية. وهي من عهد الرومان كأبنية بعلبك. وفي "ناووس"، اخربة هيكلين كبيرين يلاصق أحدهما الآخر، يحدق بهما سوران رحبان، وفي وسط كل منهما معبد قليل الاتساع تزينه أعمدة مصمتة تراها على صورة هيكل حصن سليمان في جبل النصيرية. وأركان الأبواب التي يدخل منها إلى حرم الهيكل من الحجارة الضخمة، وهي منقورة على شكل درج وآثار هذا الدرج باقية حتى يومنا. ولا ريب أنه كان في الزمن القديم لهذين الهيكلين منظر يأخذ بالأبصار. وكان الناظر يكشف من هذه الأكمة المرتفعة زهاء 600 متر فوق سطح البحر على كل الساحل من البترون إلى ما وراء طرابلس وهو يرى سهل الكورة ومزارعها الجميلة ممتدة امامه".

 

ولفت الى ان "النقوش التي على الهيكل الشرقي خشنة غليظة، وليس هناك من الحجارة الضخمة سوى مساند الابواب والصفائح المثلثة الزوايا التي تعلوها. اما بقية الحجارة فهي متوسطة الكبر كحجارة افقا وقلعة فقرا. وفوق باب المدخل صورة كرة مجنحة تزينه، وقد الف الفينيقيون مثل ذلك في هياكلهم. اما الهيكل الآخر الذي موقعه جنوبي غربي الهيكل السابق، ففيه بقايا حسنة من نقوش ابوابه، وقد وجدنا بين ردم الهيكل تمثالاً نصفياً يمثل البعل. وعلى رأسه شعاع، إلا أن نقشه خشيب، ونظن أنه سقط من الكوة التي تعلو مدخل المعبد. ولهذا الهيكل سور حجارته جبارية تشبه حجارة دير القلعة، يبلغ طول بعضها ستة أمتار، ونضرب صفحا عن المدافن الجميلة، والمقاطع المتسعة، والنواويس المنقوشة التي ترى حول قرية "الناووس" لئلا نعود إلى ذكر آثار وصفناها مراراً".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard