الجنود مدعوون إلى السهرة

27 آب 2017 | 15:08

المصدر: "النهار"

بريشة منصور الهبر.

ليس صحيحاً أنكم قتلى. أو شهداء. 

الخبر عارٍ تماماً من الصحة.

يمكنكم في المقابل أن تستريحوا.

فهذا المساء،

لن تضطروا للذهاب إلى الخدمة أيها الجنود.

ولن تلتحقوا بمراكزكم.

الأمور مرتّبة للغاية. وجيّداً.

كلّ الأعمال ستكون مؤجّلةً إلى الغد. أو بعد الغد.

هذا المساء احذفوا من رؤوسكم كلّ أسباب القلق.

في هذا المساء بالذات سيبدأ العيد.

وفي العيد لا بدّ أن يتوقف النظام والوقت وسائر التفاصيل الأخرى.

إنه العيد أيها الجنود.

وسنسهر معكم الليلة.

ولأنكم معنا،

ستكون السهرة عميقةً للغاية.

لقد انتظرتم طويلاً. وانتظرنا.

الآن، هذا المساء،

لا بدّ أن نحتفل بعد طول انتظار.

إنه وقتكم. وهو وقت الاحتفال.

ومن أجلكم ستكون الحفلة مفتوحةً على الجبال وعلى الخيال.

خذوا راحتكم. ولا ترتبكوا. ولا تستعجلوا شيئاً.

ستجدون الوقت الكافي لخلع ملابسكم العسكرية. وتوضيبها.

لقد أعددتُ لكم ثياباً أنيقة للغاية.

وسترتدون الثياب الأنيقة.

أما البنادق فسأرتّب لها أمكنةً مناسبة قرب خيالاتكم اللطيفة.

ابتداءً من هذه الليلة، أطلِقوا العنان للسجيّة.

سرِّحوا أحلامكم من الخدمة.

واجعلوها تسافر في الهواء الطلق مع النجوم والغيوم.

العشّاق العازبون الأحرار منكم

فليتسلّلوا في عطور القمر إلى عشيقاتهم.

المتزوّجون

فلينضمّوا إلى زوجاتهم المرخيات الجدائل،

وإلى الأطفال المنتظرين.

ستسهرون عميقاً عميقاً.

بعد السهر، لا لزوم للاستيقاظ على عجل.

ستنامون إذا شئتم ملء الجفون.

ويمكنكم ألاّ تناموا البتّة.

كأن تربطوا خيوط الليل بشبق الفجر،

وأن تجعلوها سهرةً مفتوحةً على الأبد.

أحلامكم هي الآن ملك الجمهورية.

وهي لكم.

أنا الشاعر،

سأفتح النوافذ لأحلامكم هذه،

والشبابيك،

والغيوم،

والكلمات،

وسأفكّ أزرار قمصانها،

وسأجعلها عاريةً عاريةً،

وحرّةً من كلّ ضيمٍ وثقل.

وسأمنحها

أحلامكم

أن تتراقص

وأن تتغاوى

مع نسور جبل لبنان

وسأفتحها على آخرها

كما تنفتح شهوةٌ على شهوة.

وكما تنضمّ أغصانٌ مهاجرة

إلى الأرزة العتيدة.

لن تناموا هذه الليلة أيها الجنود.

لأنكم لن تستيقظوا مبكرين.

فلتنفتح الليلة إذاً على آخرها.

من أجلكم ستصير الليلة قصيدة.

النوم لن ينغّصه أحدٌ عليكم بعد الآن.

حيث ستنامون،

ستنعم الغرف الهنيئة بالشبابيك.

والشبابيك ستنعم بالضوء النبيل

وبأحواض الحبق والياسمين.

سأنقلكم إلى أمكنةٍ طيّبة ولذيذة.

بيديَّ هاتين

برموش عينيَّ

سأفرش لكم لتستريحوا بعد العناء.

في الصباح،

لن تضطروا إلى الاستيقاظ المبكر مع الطيور في الصباح.

ستنامون إذا شئتم حتى الظهيرة.

أو قبل ذلك. أو بعد ذلك بقليل.

سأعدّ لكم الفطور العزيز. البيض البلدي. الجبنة البلدية. اللبنة البلدية المقطوعة بحسب الأصول. الصعتر البلدي الممزوج بالسمّاق. والزيت سيكون جنوبياً أو بقاعياً أو شمالياً. وستكون القهوة في المتناول. والشاي أيضاً. حسب الطلب.

لن أعفيكم من العسل. ولا من العنب. والتين.

وستأكلون الخبز ناضجاً مقمّراً على الصاج. أو في الفرن.

سيمكنكم أن تطلبوا لبن العصفور.

وستصدح لكم الأغاني التي تحلمون بالاستماع إليها.

وستكون أمهاتكم هناك. والأولاد. والأصدقاء.

لن يغيب أحدٌ عن الصبحية المستديمة.

ولا الزغردات.

كونوا ضحوكين وأعزّاء كالعادة.

بل أكثر من العادة.

كالجبل الأشمّ.

كالعَلَم.

كجبل لبنان.

معطّرين بالكرامة

بالكرم

وبالوجع النبيل.

مَن مثلكم أيها الجنود

لا تليق به الإقامة في أضرحة.

ولا تحت التراب.

ولا في طوائف.

ولا في أحزاب.

السهرة أنتم مدعوون إليها.

ومدعوون بالطبع إلى جلسة الصباح.

بعد ذلك،

لا بدّ من النوم العزيز.

إنه أوان النوم أيها الجنود.

من أجل هذا النوم،

سأفرش لكم لبنان كلّه

والكلمات

وقلبي

ليكون لكم هناك النوم الأبيّ الأخير.

akl.awit@annahar.com.lb


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard