الشجاعة السياسية الوطنية و"فجر الجرود"

19 آب 2017 | 12:09


ماذا يعني أن تكون شجاعاً، وأن تكون شجاعاً في السياسة الوطنية اللبنانية؟ والآن بالذات، بعد انطلاق عملية " #فجر_الجرود " للجيش اللبناني، الهادفة إلى دحر الإرهاب وتحرير الأراضي اللبنانية من وجود "داعش"؟

قبل الإجابة لا بدّ من بعض الكلام.

أن تكون شجاعاً يعني أن تكون صاحب رأي وموقف. ثمّ أن تبقى محافظاً على هذين الرأي والموقف، وخصوصاً عندما يملي عليك الواجب الوطني أن تخالف المتوقَّع والمطلوب منكَ والمتعارَف عليه، في عزّ الحاجة إلى مثل هذه الشجاعة.

سأقرأ هذا التعريف للشجاعة السياسية الوطنية في ضوء زيارة الوزراء الثلاثة لسوريا، وربط الزيارة ومفاعيلها بعملية "فجر الجرود".

ليس غريباً ولا مفاجئاً أن يذهب هؤلاء الوزراء وغيرهم إلى "سوريا الأسد" في ضوء المفاهيم السياسية القائمة على منطق الوصاية والتبعية، كما في ضوء الشروخ والانقسامات والتجاذبات السياسية اللبنانية الداخلية، واللبنانية - السورية.

الغريب والمفاجئ أن لا يذهبوا.

هل من شجاعة في مثل هذا الذهاب، والآن؟

لا أعتقد أن في هذه الخطوة أيّ شجاعة، وفق المعنى السياسي الوطني الصرف.

إنها استمرار في تأدية الحساب للخارج، وتأكيد منطق الالتحاق به والتبعية له، و... تخريب – هذا هو الخطير - الحدّ الأدنى من "التوافق الداخلي" وسياسة "النأي بالنفس".

لكن ذلك طبيعي ومتوقع. إذ لا غرابة في أن يكون موقف هؤلاء الوزراء وموقف أحزابهم وتياراتهم السياسية متطابقاً مع الخلوّ من "الشجاعة العميقة" التي كانت تفرض عدم القيام بالزيارة.

لا غرابة، لأن الزيارة تندرج في إطار "التحالف" التقليدي جداً والمتوقع جداً بين هؤلاء الأطراف اللبنانيين والنظام السوري الاستبدادي القائم.

المعنى واضح والدلالة واضحة.

لكن الشجاعة السياسية الوطنية، لدى أيّ طرفٍ داخليّ كان، يجب أن تتجلى في احترام التوافق الوطني أولاً، وفي احترام شجاعة الطرف الداخليّ الآخر، التي "يفترض" أن لا تقلّ وطنية.

بل تكمن الشجاعة الوطنية الكبرى في أن يحتضن المختلفُ، الشجاعةَ الأخرى المختلفة، وأن يتكامل معها، لا أن ينتقصها، و"يعرقل" أداءها (في الحكومة والحكم) ولا أن "يؤذيها"، بما يفضي إلى إلحاق الضرر الخطير بالوطنية اللبنانية الجامعة.

والحال هذه، أيّ تفسيرٍ لخطوة كهذه؟

التفسير الأول أنها لا تنتمي إلى الشجاعة في شيء. لا إلى الشجاعة الداخلية، ولا إلى الشجاعة الإقليمية.

بل على العكس، هي تدلّ، أي الزيارة، في منطق الأخلاقيات السياسية، كما في التحليل السياسي، على جبنٍ قيمي. فضلاً عن مخالفتها أبسط قواعد الائتلاف الحكومي الهشّ.

وإذا أردتُ أن أستفيض في البحث عن الدلالة، فهي تدلّ على جموح أولوية التفريط بالتسويات الداخلية، إكراماً للولاءات الخارجية والإملاءات والوصايات.

هل تساهم هذه الخطوة في تعزيز المناعة الوطنية الداخلية، وفي حماية الدولة – أقول الدولة لا السلطة – مما يهبّ عليها من عواصف وأخطار، ومما يواجهها من تحديات وجودية في هذه المفترقات الخطيرة من تاريخنا الوطني والعربي؟

لا أرى في هذه الزيارة أيّ شيء يدلّ على تعزيز المناعة وعلى حماية الدولة.

أين تصبّ هذه الخطوة؟ هي، في التفسير الأول، تصبّ في تعزيز الشروخ الوطنية، وفي ترسيخ إلحاق قسمٍ من اللبنانيين بما آلت إليه سوريا العزيزة على يد "سوريا الأسد" وعلى يد حلفائها في الداخل اللبناني وحلفائها في البعد الإقليمي العربي – الإيراني. وهي تصبّ تالياً في زعزعة الحكم اللبناني (طبعاً رئاسة الجمهورية)، فضلاً عن زعزعة بنيان الحكومة الهجينة هذه.

ماذا أيضاً؟

في التفسير الثاني البعيد، تصبّ هذه الخطوة في منطق استدراج "الجميع"، بمن فيهم أطراف الداخل الوطني (الحكم، الحكومة، الجيش، "المعارضة") والخارج الإقليمي، إلى الاعتراف بالأمر الواقع: يجب اعتبار النظام القائم في سوريا بعد ست سنوات من الذبح والقتل والخراب، هو النظام الوحيد الواجب الوجود. وهذا يستدعي على المستوى اللبناني الصرف إعادة المعادلة اللبنانية والمعادلة اللبنانية – السورية والمعادلة الإقليمية الأوسع إلى نقطة الصفر.

جميعنا يجب أن نكون تحت وصاية النظام السوري المسخ. وخصوصاً عندما تُطبِق اليد الإيرانية ويد "حزب الله" على هذا النظام الذي يصبح استمراره على قيد الحياة رهين الهواء الذي يصله بأنابيب التنفس الاصطناعي الإيرانية. بهذه الأنابيب وحدها لا غير.

أنا أبحث عن الشجاعة السياسية الوطنية في خطوة كهذه، فلا أعثر لها على أثر.

وخصوصاً عشية بدء عملية "فجر الجرود" التي أعلنها الجيش اللبناني فجر هذا اليوم!

وسأبحث عن هذه الشجاعة اليوم وغداً، عندما يكون الابتزاز جاهزاً لتجيير كلّ عمل "حكومي" و"عسكري" ووطني لبناني صرف لصالح "العلاقات الطبيعية" مع المجرم والوصي، وإلاّ وُصِم الرافض "الشجاع" بالارتماء في أحضان الإرهاب والإمبريالية والاستعمار والعداء لـ"سوريا الأسد" و"العروبة الإيرانية" وسوى ذلك من شعارات.

في هذه اللحظة الحرجة من التاريخ الوطني، أقول فقط: "الله يعين الجيش"، كيف سينجو من براثن هذه "الشجاعة" الخالية من الشجاعة؟

akl.awit@annahar.com.lb


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard